تابع الفصل الثامن كيف تصدي الدعاة لهذه الغارة؟ (3)

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

تابع الفصل الثامن  كيف تصدي الدعاة لهذه الغارة؟ (3)


* تركة موجعة:


كيف نقدر على تكفير المسلمين وإبادة تراث محمد؟ هذا هو التفكير الذي يشغل القوى المعادية للإسلام، وفي مقدمتها الصليبية والصهيونية والشيوعية!! 

كيف نحتفظ بديننا، ونستبقى تراثنا، ونسترد خسائرنا، ونستأنف دورنا الحضاري؟ هذا هو التفكير الذي يشغل رجالات الإسلام ودعاته المسئولين.. 

وبين الفريقين مغالبة وسباق، ولا أحب أن أخدع قومي عن حقيقة المعركة، ولا أن أعمي عن الواقع الكئيب الذي يسود خارطة العالم الإسلامي... 

فمن شرق الأورال إلى شواطئ المحيط الهادي تفتك الشيوعية بعقائدنا وشرائعنا، وكذلك من شرق القرم على خط يمتد فوق الأناضول وأذربيجان وإيران وأفغانستان وباكستان، ويتناول شمال الملايو وجنوبي الصين، ويلتهم في طريقه أرض التركستان المخصبة بالرجال والأموال، على امتداد هذا الخط يذوب الإسلام ذوبانا بالحديد والنار، وكل ما تملك الشيوعية من وسائل مادية ومعنوية... 

وعلى الفليبين ـ أعنى بقاياها ـ وجزائر إندونيسيا الكثيفة السكان، تهب عواصف صليبية عاتية تبغي استئصال الوجود الإسلامي، وتريق المال سيلاً غدقا كي تبلغ غايتها. 

حتى تايلاند البوذية !! إنها تمنع التايلاندي المسلم إذا نال دراسة دينية أن يعود إلى بلاده، وذلك كي يتم تجهيل وإضاعة أربعة ملايين هناك.. 

وفي بورما يعاني المسلمون اللون نفسه من الهوان..! 

فلنترك آسيا إلى إفريقيا التي ذكرنا خطة تكفيرها مع نهاية القرن الميلادي.. هناك مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية، ومجموعة الدول الناطقة بالإنجليزية، إن مطاردة الإسلام فيها قائمة على قدم وساق، فهل مجموعة الدول الناطقة بالعربية في إفريقيا تعطي الإسلام حقه في النشاط والانطلاق؟ 

إن النظام الناصري كان أقسى على المسلمين من قسوة اليهود على عرب فلسطين. والقتلى والجرحى من الإخوان المسلمين على امتداد ربع قرن شيء يثير الغصص... 

وفي الوقت نفسه توجد حركة ترحيب وتدليل للنشاط الصليبي حيث كان في أرض الإسلام..

وفي أخريات هذا القرن أنشئت لأول مرة من عشرين قرناً " باباوية للأرثوذكس " في مصر، وكان رئيس الأقباط في مصر بطريقاً فقط، ولكن جمال عبد الناصر نفذ ما طلب منه في هذا المجال، لحساب الصليبية العالمية. 

وما تم في مصر وقع مثيل له في أقطار عربية أخرى رفضت علانية أن يكون الإسلام دين الدولة، وحذفت هذه المادة من دساتيرها. 

إن التركة التي يواجهها الدعاة موجعة، وماذا نصنع؟ هذه حصيلة قرن الهزائم الذي يوشك أن ينتهي، فهل تنتهي معه آلامنا؟ ما نظن.. فإن القوى المعادية تزداد ضراوة وقساوة، وطريق الجهاد طويل طويل..!! 

ولنترك الأوضاع الداخلية، وما رسمه الإسلام فى سياسة الحكم والمال ولنلق نظرة على العلاقات الخارجية وموقف الدعاة من أحد جوانبها المهمة..

إن دار الحرب ضرب من المعاملة بالمثل، لجأ إليه الإسلام كي يصون بيضته، ويحمي حقيقته. 

وإلى بداية العصر الحديث كان القانون الأوروبي لا يعترف للمسلمين بكيان مادي ولا أدبي، بل كان يستبيح دماءهم وأموالهم وعقائدهم وشعائرهم.

وهو في ذلك العدوان يتبع القانون الروماني، أو يصدر عنه، وقد أوضحنا أن الإسلام قاتل تأمينا لدعوته، وذياداً عن أهله، وكسراً لطوق العدوان الذي ضربه حوله الاستعمار الروماني وزميله الفارسي.. 

فإذا تغيرت أحوال العالم القانونية، وأنشيء مجلس أمن، وأنشئت هيئة أمم، وأقيمت مؤسسات أخرى تريد حل المشكلات ابتداء بالحوار وتعطي فرصاً شتى لسماع وجهات النظر المتباينة فلسنا نحن الذين ننكل عن هذه الساحات.. 

إننا أغنى الأرض بالبراهين على ما لدينا، لأنه الحق ! وإذا كنا مسلمين حقا لا نجرى وراء طمع، ولا تستهوينا كبرياء، فإننا نقبل على كل حوار أعفاء مخلصين مؤمنين بقوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ([1])

ومن هنا فنحن لا نشتري شرا، ولا نبدأ عدوانا، ولا نقبل ظلما، لا علينا ولا على غيرنا من عباد الله.. ونحن نساند كل تجمع يشبه حلف الفضول الذي تم في تاريخ العرب قديما، ونقتدي بنبينا في احترامه، وإجابة دعوته.. 

لقد جعلنا ديار الآخرين دار حرب لما جعلوا بلادنا دار حرب، فإذا كفوا كففنا. قال تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) ([2])

وأعلم أن هناك ناسا من المشتغلين بالفقه يقولون: هذه الآيات كلها نسخت وأن الحرب هجوم لا دفاع... وقديماً وقع الخلاف هل الحرب سببها كفر من يحاربون أم عدوانهم.؟

وكان الجواب الصحيح أن الحرب سببها العدوان، وقد ألف ابن تيمية رسالة أوضح فيها أن شريعة القتال لدينا لكبح العدوان لا لمحو الكفر والرسالة طبعت أخيراً مع تعليق طويل .. ([3])

وما نريد قوله أن هناك خلافات فقهية، الخطأ فيها والصواب محدودان.. أما الخلاف هنا فخطره بعيد المدى على سمعة الإسلام ومكانته الدولية والعلمية.. 

وقد سئمت جدل ناس ينطلقون في نزق مستغرب، ليحكموا بنسخ آيات كثيرة وليقولوا قولة تصرخ بأنهم لا يعرفون التاريخ، ولا الفقه، ولا طبائع البشر، ولا مواقف الأديان في شتى الجهات، يقولون إن الاسلام دين هجوم ! ومتى يقولون هذا ؟ في شر الأزمات التي لقيها الإسلام منذ بدأ دعوته.

إنهم يرددون كلاماً لا يعرفونه، ولا يدرون عواقبه عند الله وعند الناس. والأغرب من ذلك عجزهم عن بيان محاسن الإسلام، وجدوى مبادئه على الأفراد والمجتمعات. 

إن فيهم مواريث خلقية من طبيعة البدو التي تشتهي الاغارات على العدو أو الصديق كما قال القطامي: 

وأحيانا على بكر أخينا .. إذا ما لم نجد إلا أخانا


ومن البلاء الذي أصاب الدعوة الإسلامية في عصرنا أن حزبا سياسيا تكون على هذا الأساس في تصور العلاقات الدولية، هجوم شديد على الآخرين، أمداده الإفلاس وفراغ اليد والفكر.. 

والخلاف الفقهي كما قلنا قد يكون في قضية عبادية: هل ينتقض الوضوء بالشك أم لا؟ هل الطلاق البدعى يقبل أم لا؟ إن النتائج هنا محتملة سلباً وإيجاباً.

أما ترك الأمور بين أيدي العابثين في قضايا قد يجر الخطأ فيها الويلات على الأمم ويهلك الحرث والنسل فهذا ما لا يسوغ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

[1] ) القصص :83

[2] )سورة البقرة :190-193

[3] )طبعت في دولة قطر بإشراف رئيس المحاكم الشرعية العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ، وهو من أذكى علماء المسلمين

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة