الفصل العاشر الأبعاد الجديدة: بعد ما صعدوا هبطنا!!

الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

للشيخ / محمد الغزالي

الفصل العاشر  الأبعاد الجديدة: بعد ما صعدوا هبطنا!!



الإنسان بفطرته يكره الرق والظلم والجهالة، ويحب الحرية والعدالة والمعرفة. ونحن نقدم الإسلام للناس إيمانا ونظاما، أو بتعبير العصر " دينا ودولة " فإذا كان الإسلام الذى نقدمه لا يشبع حاجة الفطرة إلى ما تحب، ولا يقيها سيئات ما تكره، فإن الناس سوف تفر منه يقينا..! 

 قد تقول: كيف يوصف الإسلام بالتناقض مع الفطرة، والتنافر مع ما تهوى وتبغض، وهو دين الفطرة؟ إنه المعروف الذى قال فيه الشاعر: 

ولم أر كالمعروف، أما مذاقه .. فحلو، وأما وجهه فجميل..!


نقول: ذلك حق كله، والشبهة تجئ للإسلام من سوء العرض وسوء التطبيق، ومن قبل هذا وذاك، من سوء الفقه، وكلال البصيرة!! 

وقد شكوت إلى صديق لى أن الإسلام فى العصور الأخيرة كان يحارب فى جبهتين، جبهة الأتباع الهمل الذين ظفروا منه بأطراف وقشور، وعموا عن حقائقه الكبرى.. وجبهة الخصوم الضاغنين الذين عرفوه خطراً على أطماعهم، وضوءاً على ظلماتهم... 

والجبهة الأولى هى مكمن الداء.. لقد كان المتحدث عن الإسلام فى بلاط كسرى من أدهى الرجال وأذكاهم حين قال لحاشية كسرى وقادته: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله... 

إن للكلمة القصيرة الواعية هنا آثارا تتجاوز قصر كسرى إلى ما وراءه من جماهير هائمة سائمة، ولو أن الإسلام بعقائده وعباداته سيُبقى الكسروية وآصارها، ما لَامَ الفرسَ أحدٌ إذا زهدوا فيه. 

فى ظنى أن " ربعيا " رضي الله عنه فَقِهَ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل التى يدعوه فيها إلى الإسلام، وهى الرسالة التى ختمها بقوله ـ سبحانه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ.....)[1].



توحيد لله، وإصلاح للأرض، وإحسان للعمل، ومساواة بين الناس.. هذه المعانى الناضرة تظل خيالات حائرة حتى يخرجها التطبيق الحسن إلى عالم الواقع، فتنجذب إليها الطبائع المستقيمة، وتهرع إليها الجماهير وهى مطمئنة راغبة.. 

إن الإسلام يوم تقدمه فرعونية حاكمة، أو قارونية كانزة، فمن حق الشعوب أن ترفضه وتنأى عنه...! فمن الذى يؤثر العيش فى ظل فرد متسلط إذا كان فى مجتمعه يمرح فى ظل حقوق الإنسان؟

ومن الذى يرضى الانتقال إلى مجتمع ضاع فيه الحق المعلوم إذا كان فى مجتمعه الأول مُعانا تحيط به ضمانات ضد المسغبة والضياع؟ 

ثم من قال: إن الذى يُعرَض على هؤلاء الحائرين هو دين الله الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وحكم به خلفاؤه الراشدون؟ 

إن على دعاة الإسلام وعلمائه أن يعرفوا دينهم، وقضاياه الكبرى.

وعندما أنظر إلى أغلب المنسوبين إلى الدعوة والعلم أحس غضبا وأسفاً، لأنهم دون ذلك. والصغار لا يستطيعون فهم القضايا الكبرى، كما تعجز المراصد البدائية عن التقاط صور للكواكب البعيدة، كذلك الدعاة الضيقون والعلماء بالتسمية والوظيفة لا بالفكر والفؤاد..!!

 عندما سأل حذيفة النبي صلى الله عليه وسلم هل بعد عصره الطيب شر؟ ـ أى خير مشوب.. 

قال: " نعم "، وقال: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: " نعم، وفيه دخن". 

سأل حذيفة: ما دخنه؟ قال المعصوم صاحب الرسالة الخاتمة: " أناس يهدون بغير سنتى تعرف منهم وتنكر ".


إن هناك دعاة وعلماء جل بضاعتهم هذا الدخن، ولقد تسلسل فى أعصار متطاولة حتى بلغ هذا الجيل، كثيفاً سخيفا، ثم غلب على ثقافتنا النظرية وسياستنا العملية فلم يكن عجبا أن يتراجع الإسلام عن أقطار بلغها، بل أن يهدد فى بيضته نفسها لولا بقايا من لطف الله.. 

المشكلة العلمية فى نظرى هى الأساس فليس تصور الإسلام وتصويره درساً لبعض النظرات الكلامية فى العقيدة، وإحصاء لبعض الفروع العملية فى الفقه.

الإسلام أكبر من ذلك، ولا يعرف روحه وأبعاده، ويقدر على تعريفها للناس إلا امرؤ راسخ القدم فى الكتاب والسنة، واقف على سير الخلفاء والأئمة المتبوعين، خبير بأخطاء ، الساسة والدارسين على سواء...

سمعت يوما إحدى خطب الجمعة فقلت لصاحبى: لو أن أحدا نقل هذه الخطبة على أنها من مواعظ القرن الخامس أو السادس ما أنكر عليه أحد... 

قال: وما الذى يجعل الدعاة والواعظين يفرون من مواجهة هذا العصر؟ قلت: مزيج من الخوف والقصور، الخوف من الحكام، والقصور عن البلاغ الشافى.. 

وسمعت خطيبا يهدر وكأنما ثكل أبنه، لأن الناس اعتدوا على شعر اللحية . ولا ريب أن اللحية من سنن الفطرة ولكن هذا الخطيب لم ينبس ببنت شفة عندما قتل نحو عشرين ألف مسلم فى زنجبار، وسكت هو وغيره سكوتاً مطبقاً.. لماذا؟ لأن وعيهم بالإسلام وحقيقته وقضايا أمته محصور فى نطاق خاص ( ذلك مبلغهم من العلم) .

والعلم بالحياة الإنسانية، وما ظهر فيها من فلسفات، وما تسوقه للناس من إغراءات، ضرورة ملحة لإحسان عرض الإسلام، وكشف الجوانب التى تضئ حياتهم منه. 

لقد كنا نصدر المبادئ والقيم إلى غيرنا، فهل استغنى هذا الغير عنا؟ وبم؟ ولم زهد فينا؟ ما هى أخطاؤنا..؟؟ 

إن أخطاءنا فى جنب الله كثيرة، وتقصيرنا فى خدمة الإسلام فاضح، ومن قرون والفقه الدستورى والدولى عندنا صفر، وفقه المعاملات مجمد، والتربية الفردية والاجتماعية فوضى... 

ومع أن فقه العبادات متحرك إلا أن الخلافات فيه تشير إلى عوج عقلى ينفر المتدينين من المسالك الدينية جملة. 

أفهم شخصياً أن يثور جدل حول سدل اليدين أو قبضهما فى الصلاة، وحول الوضوء من أكل لحم الإبل أو عدمه.. لكن الإنس والجن لا يفهمون لماذا تكون هذه الأمور التوافه مثار معارك طاحنة وتغاضب شديد.. 

كنت أسير فى أحد شوارع القاهرة فوجدت مبنى لبعثة إيطالية تدرب أبناءنا على صنع الأحذية... قلت لنفسى: حتى فى هذا الميدان نحتاج إلى تدريب ثم وثب بذهنى خيال دعاة يريدون نشر الإسلام بالسيف فقلت لهم فى الخيال: حاربوا حفاءكم أولا، ثم تواضعوا لله، وتعلموا دينكم ممن هو أبصر منكم بأصول الدين، وفروعه، ووسائله، وغاياته، إنكم عبء على دين الله ودنيا الناس.. 

وهناك حقيقة لا يجوز أن تغيب عنا، نريد أن نعرفها: هل توقف سير القافلة البشرية عندما توقف العقل الإسلامى عن التفكير؟ هل توقف التعمير العالمى عندما قل إنتاجنا فى استعمار الأرض؟

كلا… إن العالم مضى فى طريقه يسعى ويطفر، وحقق فى سعيه وطفرته خيرا كثيرا وشرا كثيرا، أما خيره فإنه تجاوب مع نداء الفطرة فى مجالات تتصل بالحريات الإنسانية والحقوق السياسية، وأما شره فإنه يمشى مع الغرائز الدنيا، ويسر لها وقودها على نحو جعل الصعاليك يستمتعون بما لم يستمتع به الملوك الأقدمون ….!! 

وأحب أن أضع بين يدى الدعاة صورة سريعة عن المقومات الأساسية للمجتمع الغربى كتبها أخونا الأستاذ سيد أبو المجد، وغرضى من ذلك أمور:

الأول: أن يعرف الدعاة من يواجهون؟ وما الفكر الذى يحركهم؟ وما البديل الذى ينبغى أن نعده نحن ليحل محله؟ 

والثانى: أن يعرفوا مصادر الشر التى تنطلق فى الدنيا إثر انتصار الغرب، وانتشاره فى القارات الخمس، واقتباس الناس منه ما يحمد وما يعاب.. 

وأخيراً… أن يصحو المسلمون من غفلتهم ، ومن تطاحنهم على شئون لا يباليها أولو النهى، وكيانهم مهدد من القواعد. 

إننا نتحاقد على أرغفة الخبز وفى الدنيا ثروات طائلة. ونتخاصم على شكليات، وقد أقام غيرنا موضوعات لها طول وعرض.. 

 

[1] ) آل عمران:64

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة