Print this page

العوامل المؤسسة للرأى العام

الرأى العام أمر موجود بيننا، ويتكون من مقدمات عدة منها ما يلي :-

     أ-العوامل العقدية.

وهى الركيزة الأساسية فى نشأة الرأى العام السليم واستمراره  فى أداء دوره الحضارى.

ولاشك أن صحاب العقيدة الصحيحة الملتزمون بمبادئ الدين القويم لا ينشأ عنهم قول يفسد قضية بناء رأى عام سليم.

وأصحاب العقائد الفاسدة هم الذين يعللون لأنفسهم إطلاق الشائعات والإشاعات لخلق جو, يريدون التخطيط من خلاله للقيام بفعل معين كما يفعل الشيوعيون وغيرهم، فهم يجادلون ولو فى البديهات لمحاولة ايجاد نوع من الاستقطاب. ولكن من يفطن لسلوكهم وأسلوبهم يستطيع بل شك أن يفسد عليهم خطتهم ويجعلهم يتخبطون فى حل جدالهم فلا يقدرون على استقطاب ولا  احتواء.

وهذا هو دور العقيدة الإسلامية الصامدة فى تحطيم قوى الإلحاد الشيوعى وفى القدرة على عمل رأى عام فى المجتمعات الإسلامية.

 

        ب-العوامل الإجتماعية.

تؤثر العوامل الإجتماعية فى نشأة الرأى العام حسب منطق الحياة الإجتماعية.

علي سبيل المثال، عندما انتشرت فكرة الحق الإلهى في أوربا ، تولد عنها العديد من مظاهر الإضطهاد والحرمان والذل للبشرية، وترتب علي ذلك وجود رأى عام سياسى ودينى.

أما عن الرأي العام سيايى، فقد تمثل في فصل الدين عن الدولة لتتمتع الأفراد بحقوق الإنسان بعيداً عن ظلم البابوية.

وأما عن الرأي العام الديني، فقد تمثل في قيام عدة ثورات لإصلاح الدكتاتورية البابوية على العالم المسيحى.

كذلك عندما تقدمت الصناعة فى منتصف القرن التاسع عشر، وانتقلت من العمل اليدوى إلى المصانع، فقد ظهرت فكرة بين العمال تدعو إلى حقوق العمال تلك التى أقرها البرلمان الإنجليزى عام 1848م.

  

        ج-العوامل الإنسانية.

ونعنى بها العواطف والأحاسيس والأخلاق، بل والعادات والتقاليد. فهى أمور تكون الرأى العام، وهى كذلك أمور قد توجه الفكرة المطروحة لتكون رأيا عاما.

علي سبيل المثال، عندما تقوم ثورة من الثورات بإعدام الأبرياء شنقا فى الميادين العامة فإنها تكون بذلك رأيا عاما ضدها، والذين يطلقون الشائعات حول نظام حكم معين يريدون خلق رأي عام هم يريدونه ضد هذا الحكم، مستغلين العامل الإنسانى فى شن الإشاعات التى تؤثر وجدانيا فى نفوس الناس.

ولذا فبعض الحكام الدكتاتوريين عندما يريدون أن يعبروا فى اتجاه الرأى العام، يعلنوا مثلا عن علاج فتاة مشلولة يتيمة على نفقة الدولة فى الخارج, لأنها حالة إنسانية تنفطر لها النفس تلقائيا.

فالذين يريدون العمل الإجتماعى عليهم التعرف أولا قبل كل شئ على مقومات المجتمع المحلى وعليهم بالتالى استخدام الرأى العام بأسلوب مدروس للتوصل إلى ما يريدون .

   

         د- العوامل الجغرافية.

الوضع الجغرافى الذى يعيش داخله بعض الناس وكذلك المناخ الذى يسود الإقليم قد يؤثر فى صنع الرأى العام.

 فالمجتمع الصناعى له ظروفه الخاصة التى تؤثر فى أحداث الرأى العام فهو يتأثر بالأسعار والربح والخسارة والحريق وساعات العمل إلخ....

والمجتمع الزراعى كذلك يتأثر بالرى ونمو الزراعة وآفاتها والبذور والسماد.

فلغة أهل المصنع غير لغة أهل الحقل والذى يشغل بال الصانع ليس هو الذى يشغل بال الفلاح والعكس صحيح.

         وكذلك المجتمع الأوربي له ظروف خاصة يتكون منها رأى عام مناسب له, وعلي العكس من ذلك فالشرقيون لهم ظروف مخالفة تماما.

ومحاولة نقل الرأى العام الأوربى ليكون رأيا عاما شرقيا محاولة ساذجة, ولذلك فشل كل الزعماء الذين أرادوا لبعض الدول العربية أن تكون أوربية الثقافة والنظام الاجتماعى،  كما فشلوا فى أن تكون الحياة العربية ذات طابع شيوعى.

فالبيئات الإجتماعية والوضع الجغرافى بالإضافة للحضارات الأولى لأى إقليم جغرافى تجعل من الصعب تغيير الرأى العام الأصيل فى هذا الإقليم. وهنا يأتى دور الفتوحات الإسلامية، لأن الرأى العام فيه صار مرغوبا فيه من كل البيئات، ولم يجد مقاومة عنيفة ضده.

علي سبيل المثال، رحب أهل جنوب شرقى آسيا بالإسلام دون حرب، كما رحب به المصريون الأقباط الذين استذلهم الحكم الرومانى، وكانت القصور الملكية فى أسبانيا تستقبل طارق بن زياد بكل ارتياح.

هذه المؤثرات فى تكوين الرأى العام، هى نفسها قد تكون العائق الذي يكون رأى عام جديد مضاد .

والدارسون للدعوة الاسلامية يعرفون كم كان من الصعب على قريش أن تغير عقيدتها مع وضوح الأدلة وكفاية البراهين علي صحة الإسلام.

كذلك يدرك الدارسون لتاريخ التشريع الإسلامي، كم أطال الله الزمن وعدد المراحل عند تشريع تحريم الرق والربا والتبنى وغيرها من القضايا الخاضعة للعرف الأجتماعى، ومواجهة الرأى العام القائم على العرف الإجتماعى وتحتاج إلى زمن ونظام مدروس.

وكذلك يدرك الدارسون للدعوة أن العامل الأنسانى كان السبب  فى دخول حمزة بن عبد المطلب الاسلام فإنه لم يقبل أن يهان ابن أخيه فى حضرته.

ولنفس السبب الإنسانى منع الإسلام التمثيل بالقتلى فى الحروب وغيرها.

      هـ - القدوة.

هذا ويبقى عامل آخر فى الرأى العام يذكره كثير من الكاتبين فى هذا الحقل وهو القدوة.

علي سبيل المثال:-

تشيع الرشوة فى مجتمع، إذا كان الرئيس لهذا المجتمع له من الخصال ما يشيع على نشرها ... كما يشيع العفة إذا كان الحاكم عفيفا.

ويكلل المجتمع بالفضائل إذا كان الرئيس لهذا المجتمع رائدا لهذه الفضائل.

وعلى هذا فالعوامل التى تؤثر فى الرأى العام عند أرادة تغييره هى :

أ‌-      العقيدة وهى ركيزة أساسية، فإذا بنيت بشكل صحيح يمكنها تكوين الرأى العام المطلوب.

ب‌-   الجانب الإنسانى وإثارته بأسلوب يقوى على الرأى العام المضاد .

ج -  ملاحظة الجانب الجغرافى وآثره على السلوك والأخلاق .

د-  العامل الاجتماعى وارتباط الناس بثقافتهم المحلية وتقالدهم وعاداتهم .

هـ- القدوة، فبمقدار صلاحها يكون الرأى العام صالحا وبمقدار فسادها يتكون رأى عام فاسد مثلها أو مضاد لها.

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع