الرأى العام والجاذبية المادية

يحدثنا القرآن الكريم فى مواطن عدة عن الجاذبية المادية وسيكولوجية الرأى العام، ومن أمثلة ذلك ثلاث  قصص جاءت في سورة الكهف والقلم والقصص.

أما عن القصة الوارد ذكرها في سورة الكهف فهي قصة صاحب الجنتين.

يحدثنا القرآن الكريم عن تلك القصة فيبين لنا أن الطغيان فى العقيدة والسلوك، يرتبط كثيرا بكثرة المال والولد، وصار ذلك فقها اجتماعيا أو رأيا عاما .

والصورة كما ذكرها القرآن الكريم، هي  أن رجلا ثريا كان له جنتان أي حديقتان ممتلأتان بالثمر من النخيل والأعناب والزرع وينساب فيها الماء السلسبيل .. فتقع العين على منظر بديع رائع فيه الخضرة وفيه الثمار اليانعة وفيه الماء الجارى .. فتكتمل صورة الحياة بروائها البديع، والناس عادة ينجذبون إلى تلك الماديات  قال الله تعالى :{  كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} .( العلق 6، 7)

 

وفى العرف الإجتماعى القروى ، دائما أصحاب المال هم الذين يتلف الناس حولهم،  فالرجل صاحب الجنتين يرتكز فى مناقشة مع الرجل الفقير المؤمن على هذه القاعدة التى ينجذب إليها الرأى العام وهى أن الأكثر مالا وعصبية هو وجيه القوم وسيدهم وهو صاحب الرأى لذلك افترض الرجل الثرى - صاحب الجنتين - فروضا ثلاثة :-

1- أنه يظن أن جنته لن تبيد أبدا .

2- أنه يظن أن الساعة لن تأتى .

3- وأنه إذا رجع إلى ربه فسيجد خيرا منها منقلبا.

نلاحظ أن صاحب الجنتين  ركز في مناقشته على الرأى العام المتأثر بالجاذبية المادية.

أما عن الرجل الفقير فعندما أراد أن يرد على منطق صاحب الجنتتن المرتكز على المادية التى يخضع لها الرأى العام فقد قام بما يلي :-

أولا:- سأله قائلا أكفرت بالذى خلقك؟ والسؤال هنا ليس على حقيقته فهو لا يطلب إجابة، وإنما هو علي سبيل التهكم، وذلك لأن فى قوله :{ خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}  فقه بدهى، وكأنه يريد أن يقول له  إن عظمة النعمة لا ينبغى أن تنسيك أمرين : أصلك وشكر الله.

ثم بدأ الفقير يعلن عن إيمانه فقال{ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } .

وهكذا، فإذا كان الرجل الغنى قد استند على الرأى العام فى مناقشته بالجاذبية المادية، فالرجل الفقير قد واجه هذه الجاذبية المادية بالإيمان الصادق .

ثانيا:- الرجل الفقير علم الرجل الكافر أسلوب الأدب فيما يتعلق بمواجهة الجاذبية المادية فقال { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} .

ثالثا : ثم بدأ الفقير يناقش الرجل الغنى المتأثر بالفقه الإجتماعى يعنى الرأى النابع من الجاذبية المادية فقال، أن كنت ترانى فقيرا قليل الولد فإن الإيمان بالله يجعلنى مطمئنا لرحمته وحنانه، عسى أن يؤتينى خير من جنتك لأنه يعلم  أنه لا حجر على فضل الله.

كما أن الإيمان علمه الأدب فى الدعاء، فلم يقيد فضل الله بقوله  فعسى أن يؤتينى خيرا منك فى الدنيا والآخرة بل تركها على جناب فضل الله الواسع الفياض الجم اللامتناهى .

رابعا: قدم الرجل المؤمن افتراضين فى مواجهة افتراضات الرجل الغنى الذى ظن أن جنته لن تبيد أبدا فقال:-  

1- قد يرسل الله حسبانا على جنتك فتصبح صعيدا ناعما ليس فيه شجر ولا أثر.

2- أن يغور ماءها فلن تستطيع أخراجه من الأرض.

فالرجل المؤمن الفقير يلفت نظر الرجل الغنى إلى أن الثراء لا يستمر والماء السلسبيل لا يستمر سلسبيلا فقد يتحول الثراء إلى فقر .. وينضب السلسبيل، وهذا هو ما حدث بالفعل، قال الله تعالي ( وأحيط بثمره ) فلم يجد غير أن يقلب كفيه حسره وندامة، ثم رجع إلى نفسه آسفا نادما يقول ( ياليتنى لم أشرك بربى أحدا ) ..

وهكذا فالقرآن يصور سيكلوجية الرأى العام المعتمد على الجاذبية المادية بهذه القصة وينهيها بقوله  { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا  } .

ومعنى هذا أن الدعوة الاسلامية فى مواجهة الرأى العام المعتمد على الجاذبية المادية ينبغى أن تقوى عقيدة المسلم حتى يستطيع مواجهة الرأى العام المستند الى الماديات، ولذلك أطالت الدعوة الاسلامية فى العهد المكى فترة التدريب على العقيدة وأرجأت فرض مشروعية القتال عن النفس. وذلك  من أجل بناء العقيدة فى الفرد المسلم  الفاهم لدينه المعتقد فى رضوان ربه القادر على مواجهة جاذبية الرأى العام المستند على القوة المادية، بحيث يصير الفرد المسلم وحده عنصرا فعالا فى تغيير سيكلوجية الرأى العام .. وهذا هو معنى قوله  تعالى{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .

                                                                        ( 11_ الرعد)   

أما عن القصه الوارد ذكرها في سورة القلم، فهي قصة رجل غني كان له حديقة من العنب وفى يوم حصادها من كل عام، كان ينادى الفقراء والمساكين ليأخذوا حقهم.

تكررت العادة فى كل عام، حتي أصبح هناك رأى عام عند الناس حول حقوق هؤلاء الفقراء فى مال هذا الغنى.

ثم مات صاحب الحديقة وترك من بعده ثلاثة أولاد،  فرأى بعضهم أن يمنع الفقراء بمعنى أنه أراد أن يغير اتجاه الرأى العام لأنه استكثر ما يأخذه الفقراء من الثمار، وقرروا أن يذهبوا فى الغدوة حتى لا يراهم أحدا ... يقول القرآن الكريم { وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ } .

                                                                       (25 – القلم)

أي انطلقوا فى وقت الغدو وهم عازمين على منع الفقراء ويشعرون أن لهم قوة على التنفيذ.

   ومضوا في طريقهم حتى إذا ما وصلوها كانت المفاجأة كما قال القرآن الكريم {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} .

                                                                          (القلم -26 )

القرآن الكريم فى هذه القصة لم يتحدث عن إهلاك الله للحديقة كما فعل فى سورة الكهف لأن الشبان فى هذة القصة كانوا يزعمون أن لهم قوة يستطيعون بها تحقيق ما خططوه وغدوا عليه قادرون .. فجاء الله بما يشككهم فى طريقهم.

وفى وسط هذا اللجاج يأتى سوط الأيمان فيقول أوسطهم { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} أي فتشكرون الله  فتعطون الفقراء حقهم كما كان يفعل أبوكم .

وهذه القصة فى صورة مكية يوجهها القرآن الكريم إلى الوليد بن المغيرة وعتية بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب وأبو جهل وأبو لهب، الذين اتخذوا من مالهم سبيلا ووسيلة للصد عن الدعوة الإسلامية.

والرأى الوسط فى سورة (القلم) هو رمز لفتح باب التوبة لهؤلاء المشركين حتى يتركوا موقف العداء للدعوة الاسلامية وينيبوا إلى الله سبحانه وتعالى .

وفى العصر الحديث ما زلنا نجد الجاذبية المادية لها أثر على الدعوة الإسلامية، وذلك من خلال اتجاهين :-

إتجاه داخلى : من المجتمع نفسه وهم أولئك الذين ينفقون أموالهم ضد الدعوة الإسلامية فسوف تكون عليهم حسرة ثم يغلبون إن شاء الله.

إتجاه عسكرى واقتصادى : وذلك بإفساد اقتصاد المسلمين وشن الحرب المحلية على الأقليات الاسلامية، أو جر المسلمين الى حروب محلية مستمرة.  

أما عن القصة الثالثة الوارد ذكرها في سورة القصص فهي قصة قارون.                      

معروف فى العرف الاجتماعى أن المادة لها تأثير على السلوك خاصة فى مجتمع تختلف فيه ظروف قدرات العمل، فإذا كان هناك مجتمع تقل فيه معرفة الصناعة فإن صاحب الصنعة فيه يكون محور جاذبية يؤثر فى اتجاهات آراء الآفراد.

   عالج القرآن هذه القضية فى قصة قارون مع قومة، فقد كان قارون صائغا يحيل إلى ذهب، تلك عملية كيميائية تخضع لقواعد الكيمياء. وكان قارون هو الذى يعرفها وحده، واستفاد من ذلك مالا كثيرا حتى صار عنصرا وعاملا مؤثرا فى اتجاهات الرأى العام .

القرآن الكريم يصور قوة الجاذبية بهذه الآية :{ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}.

                                                                         (القصص-74)

ومعنى هذه الآية أن حملة المفاتيح الذين يديرون أعمال قارون كانت جماعة كبيرة .

بالطبع هذه القوة المادية تؤثر على اتجاهات الرأى العام فى المجتمع، ولذلك نجد أن غالبية الشعب ممن يريدون زينة الحياة الدنيا فقط، هم الذين ينجذبون إلى هذه القوة المادية فيقولون {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} .( القصص79 )

                                                                              

   وعندما يفسد الرأى العام وتعجز الآراء الفردية عن السيطرة على التوجيه، فإن الله سبحانة وتعالى يحضر فى المجتمع قوما من العلماء يحاولون إرجاع الناس إلى الصواب والحق .. وحول هذا يقول الله تعالى :

{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ }.

                                                                  (80_ القصص)

والذين أوتوا العلم هنا هم المؤمنين الذين يدركون أن الثواب عند الله يقوم على أساسيين ، هما الإيمان بالله. والعمل الصالح .

  ومفهوم هذا هو أن العمل الصالح يورث ثراء الدنيا ورضوان الله فى الآخرة  يقول الله تعالى{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.

                                                                          (97 _ النحل)

 والإيمان والعمل الصالح يحتاجان إلى خبير فى مواجهة جاذبية الرأى العام القائم على الأصول المادية، لذلك وجه العلماء الجماعة الذين بهرتهم زينة قارون الى ثلاثة أشياء هى :  الايمان ..العمل .. الصلاح والتقوى ..

 

الإتجاه المادى يأخذ العمل فقط ويجعله أساسا للتوجيه الاجتماعى، ومن هنا تأتى النكبات على المجتمع لأن الانسان تربطه مشاعر ووجدانات وروحانيات لها تأثير كذلك فى العمل نفسه فجودة الصناعة مثلا تحتاج إلى الإخلاص ... والإخلاص ملكة فى النفس يخلقها الإيمان الصادق، ويبثها فى المشاعر الخوف من الله .. فإذا كان الإتجاه المادى يرتكز على العمل فقط خسرنا ضمانا لجودة الصناعه، فما بالك بالأمانة على الإنتاج والمحافظة عليه كما وكيفا واستهلاكا !!

   أما الاسلام فقد جعل العمل مرتكزا على الايمان وجعل العمل متصفا بالصلاح وجعل ذلك كله فى إطار الخوف من الله.

   ويتضح الفرق جليا بين الحياة فى مكة المكرمة حاليا حيث المتاجر مفتوحة بلا حارس وليست هناك سرقة ولا سيما فى موسم الحج .. وفى مكة أنواع عديدة من الجنسيات ومع هذا فإنه لا يوجد حادث تخريب وتنعدم كلية أحداث الشغب ويندر وقوع سرقه فردية ... أما فى نيويورك عام 1977 م عندما أنقطع التيار الكهربائى عن المدينة فقد أنفجر المجتمع ينهب ويسرق ويحطم ويخرب وذلك لأن الفرق بين الرأى العام الاسلامى والرأى العام فى غير الإسلام، هو عنصر الايمان ومراقبة الله سبحانه وتعالى وحول هذا يأتى الحديث الشريف الذى يقول  " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فأنه يراك ".

                                                                         ( رواه مسلم)

    يعنى فى أقل التصورات الإسلامية أن الإنسان يراقب الله فى عمله ، على أفتراض أنه وإن لم يسم بشفافية قلبه ألى أن يطلع إلى جلال الله .. فانه على الاقل متأكد من أن الله هو الذى يراه ..

       لهذا نجد القصة التى ذكرها القرآن الكريم عن قارون وقومة تعقيب على موقف الذين يريدون الحياة الدنيا، ونصيحة العلماء لهم بتصوير عاقبة قارون السيئة حيث خسف الله به وبداره الأرض، ولم يجد له عونا ينصروه حتى الذين تمنوا مكانه بالأمس تابوا إلى الله واعترفوا بأن بسط الرزق وتقديره إنما هو فضل الله جل شأنه، وأن الكافرين لن يفلحوا أبدا .. يقول الله تعالى : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} ..

                                                                              (81 القصص)

وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون :

{ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.

                                                           (82 القصص )

  الدعوة الاسلامية باستخدامها هذا القصص فى العهد المكى تريد أن تضع فى حساب الداعية أنه يواجه نفس المصير فيما يتعلق بالاستعلاء العلمى المفرغ من الإيمان، كما يواجه انجذاب عامة الشعب إلى القوة المادية.

       وموقف الدعية هو موقف المستوعب لثقافة العصر المتمكن من إيمانه بالله سبحانه وتعالى الواثق من نصر الله، المطمئن لسلامة موقفه الصابر على الشدائد ، فالله بيده تصريف الامور، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه .

       ولكن يقع الدعاة فى خطأ يوم يهجس فى نفوسهم هاجس الرضا بالجهاد، إنهم ما أدوا ما عليهم أو أنهم أوصياء على حركة العمل الإسلامى.

       لا هذا ولا ذاك فإنما نحن جنود علينا، أن نؤدى الواجب كما أمر الله عسى الله أن يتقبل منا ويغفر لنا تقصيرنا، ثم الأمر كله بعد ذلك لله رب العالمين، فهو الذى يداول الأيام بين الناس لأنه صاحب الملك. فما على الدعاة إلا أن يؤدوا الواجب الذى اصطفاهم الله له أما النتائج فعلى الله عواقبها.

       وليحذر الشباب أن يفهم أن التحمس للإسلام هو فى صورة عنف أو تشنج ، وإنما هو صورة أظهار على أختلاف طبيعة الإسلام كنظام شامل للحياة كلها وللملكات النفسية على اختلاف ألسنتها وألوان جنسياتها ثم الأصل فى الهداية : من يريد الله به خيراً صدره للأسلام .                                                                 

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة