الرأى العام والجاذبية الاجتماعية

تحدثنا سابقا عن قضية زيد بن حارثة مع زينب بنت جحش رضي الله عنهما، وأوضحنا موقف الرأى العام الإجتماعى من الرأى العام الإسلامى. وصورنا المراحل الصعبة التى مر بها الرأى الاسلامى وهو يغير الرأى العام الجاه   ولنا أن نلاحظ أن الاسلام عندما يريد أن يغير عادة اجتماعية يغيرها بأسلوب المراحل المتعددة أو بأسلوب التدرج.

 

علي سبيل المثال، الخمر كانت - ولا تزال - وباءاً عالمياً . اشترك فيه المجتمع الرومانى المسيحى الوثني، كما اشترك فيه كذلك المجتمع الفارسى المجوسى،واشترك معهم المجتمع العربى الجاهلى، حتي أصبحت  جاذبية اجتماعية، بمعنى أن اتفاق جميع أفراد المجتمع عليها يجعل من الصعوبة تغير الرأى العام المتعلق بها، ولهذا فقد اتخذت الدعوة الإسلامية لونا خاصا فى معالجة هذه الجاذبية الإجتماعية تجاه الخمر، وذلك عن طريق التدرج -فى التشريع- الذى يبدل آراء الأفراد شيئا فشيئا دون إحداث مضاعفات تجعل من الجاذبية الاجتماعية المراد تغييرها عنصرا مواجها حتى يتم الوصول للتغيير المراد.

ولننظر كيف تعامل القرآن الكريم- المصدر الأول للتشريع الإسلامي- مع تلك القضية وكيف قام بهذا التدرج علي وجه مبهر .

        أولا:- جاء القرآن الكريم ووصف المنافع التي تعود علي الناس من وراء الخمر فقال {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. ( النخل أية 67 )

        بالتأكيد فقد أفادت هذه المرحلة سيكلوجيا فى تغيير الرأى، حيث أفهمت المسلمين أن (الرزق الحسن) يقابله (سكرا)، وهو غير موصوف بالحسن فصفة ( سكر) فى أقل التصورات أنها ليست ( شيئا حسنا ) وبذلك تتهيأ النفس           إلى تصور صفه محذوفة لذلك، وينتظر الإنسان المسلم نزول الوحى بهذا الوصف .

        ثانيا:- قال الناس فى المجتمع نريد أن نعرف رأي القرآن فى الخمر فوصف القرآن الوضع الراهن للخمر فى المجتمع فقال :-

         { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } .                                                          (سرة البقرة آية 219) .

وما زلنا حتى هذه اللحظة والحكومات وأصحاب المدارس الإجتماعية يقرون أن الخمر تصيب الأفراد صحيا.. وفي المقابل لذلك فهناك من يحاول أن يجعل  من الخمر دعاية للسياحة.

وهكذا يصور القرآن الكريم  أن الخمر فيها أثم ولكن يشير إلى أن اثمها أكبر من نفعها. 

ومن هنا أيضا يدرك العقل أن القران فى هذه المرحلة قد قرر مسألتين :

1-  إثبات صفة تجارية تتعلق بالخمر من حيث أن فيها نفعا وفيها أثما .

2-  أن الأثم أكبر من النفع  

ولكن الاسلام لا يتعرض فى هذه المرحلة للقول بأنها حرام، ذلك لأن الجاذبية الاجتماعية المتعلقة بشرب الخمر، لم تكن مستعدة كل الإستعداد لتقبل الحكم النهائى.

ولهذا قال بعض الناس، أن الله تعالى قال فيها إثم كبير ومنافع للناس ولكنها ليست حرام وبالتالي استمر في شرابها.

   ثالثا :- وبعد تهيئ الذهن وبعد أن أصبح هناك رأى شبه تام  يتعلق بالموازنة بين منافع الخمر وإثمها، ضيق القرآن مرحلة السماح بشرب الخمر فقال تعالى { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ }.

                                                         (سورة النساء  آية 42 )

ومعنى هذا أن الذى يريد أن يصلى الصبح لابد أن يكون فى حالة يقظة تامة للصلاة، فلا يصح أن يشرب قبل الفجر وكذلك الظهر والعصر، فالفترة التى يمكن فيها الشرب هى فترة ما بعد العشاء إلى ما قبل الفجر .

   وعلى هذا فيمكننا أن نستنتج مما سبق ما يلي :-

  أولا:- الخمر أثمها أكبر من نفعها.

 ثانيا:-أنه قد حرمها فى أكثر ساعات النهار والليل.

ثالثا : أنه هيأ الذهن للحكم النهائى .

     وعندئذ تأتى المرحلة الرابعة والتي أعلن فيها القرأن قائلا {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  } .

{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} 

                                                     (90- 91 سورة المائدة )

   فوصف الخمر بأنها رجس من عمل الشيطان والوصف كاف فى الحرمة بدليل قولة تعالى  { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ }

                                                                   ( الاعراف آية62)

{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} .

                                                                     (الأعراف157)

       وقوله تعالي (فاجتبوه) يعد بلا شك أمعان فى معنى الحرمة، ولم يقل حرام  بل قال فاجتنبوه لأن هذا جواب عن سؤال فى سورة البقرة، وهو ما جاء في قوله تعالي ( يسألونك عن الخمر) ، فهذا التحريم ملاحظ فيه أنه جواب عن سؤال فى سورة البقرة مما يفيد أن المجتمع ليس فقط يسأل عن الحل والحرمة وإنما يريد التوجيه السلوكى، بدليل أن بعض الصحابة أراقوا ما كان عندهم من الخمر مرة واحدة وكسروا قلالها وهذا بالتأكيد  انصياعا لقوله تعالى  (فاجتنبوه لعلكم تفلحون).

       وهكذا ينتقل الحكم الاسلامى لسيكلوجية  فى الرأى  تواجه الجاذبية الإجتماعية بل تنشئ اجتماعية إسلامية فى مواجهة الجاذبية غير الإسلامية وهذا مسلك لابد من الحرص عليه فى تبليغ الدعوة إلي الله عز وجل.

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة