إذا نبه الله عباده إلى أن الأرض يرثها عباده الصالحون، فمعنى ذلك الصلاح أوسع من ركعات تؤذى أو أيام تصام ، إنه علم رحب الآفاق بكل شيء فى مقدور البشر، وعدل ممدود الرواق لا يشقى معه ضعيف . ولا يزيد فيه نصيب مؤيد على نصيب معارض ! وتنظيم نظافة الوجوه والثياب والبيوت والشوارع والقرى والمدن ، وأمان ضد الجوع والقلق وطوارق اليوم والغد ، وكفالة لحرية العقل والضمير تنمو فيها المواهب وتنضج الملكات وتكتمل الشخصية وتصان المرافق العامة والخاصة… 

والمطلوب من الإنسان ألا يدع عقله مطية لهواه ، وألا يجعل خصائصه الأدبية الرفيعة طيعة لغرائزه الدنيا ، ولأثرته الخاصة، فإنه إن فعل ذلك أهلك نفسه ومن معه على سواء..

فالإنسان الصالح ليس صاحب العقل الكبير فقط ، بل ينبغي أن يكون كذلك صاحب قلب سليم وضمير يقظان وقدرة على كبح نفسه وامتلاك رغبته . 

ولباب الدين هذه الحقائق وما يضبطها وينميها من عبادات.. 

بيد أن هناك ناساً مَرِضُوا كما تمرض النباتات والحيوانات ، ونسوا كلاُّ أو جزءاً مما ذكرنا ! وليتهم لما مرضوا نشدوا العافية كي يحيوا أصحاءَ ، لقد حسبوا أمراضهم هي الأصل ، أوهي طبائع الأشياء ، وأرادوا فرض ذلك على الدين والدنيا . 

والأنفع للناس هو العدل سياسياً كان أو اجتماعياً ، والشورى ولو بين أفراد الأسرة الواحدة ، والنظام الشامل لا الفوضى السائدة ، والحرية التي تكتمل في جوها العقول ، وتنضج الملكات ، وتمحص الآراء ، والتعارف لا التناكر، والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وإتاحة الفرص للفطر السليمة والمواهب الرفيعة أن تتفتح وتبدع... 

إن حملة العقائد الجديرين بالنصر ليسوا قطاع طريق ورجال عصابات ، إنهم طلائع المعرفة وأشعة اليقين وأصحاب الأخلاق الزاكية والأنفاس الطاهرة ، إنهم ـ بإيجازـ صانعو النهضات الحقيقية ، وأخلاق النبيين التقاة وقادة الفكر الواعي والسلوك المجدي..

هؤلاء هم الصالحون الجديرون بالسيادة في الدنيا... 

جاء فى القرآن الكريم هذا الحكم الحاسم : (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) . ما معنى وراثة الأرض ؟ ومن هم العباد الصالحون ؟

من تتبُّع الآيات المشابهة فى القرآن الكريم نجد أن هناك معنيين لوراثة الأرض : الأول ـ وهو الشائع بين العابدين ـ يتصل بالدار الآخرة ، أي أن العراك الرهيب فى هذه الدنيا ، والميدان المليء بالانتصارات والانكسارات والصاعدين والهابطين والمكثرين والمقلين والظالمين والمظلومين سينتهي حتما لمصلحة الأخيار من الناس فهم الذين يضعون أيديهم على مصيرها ، وتقر أعينهم بما أسلفوا فيها

بلغهم ذلك فجزعوا له وعظم فيه الخطب عليهم، ثم احتدم الأمر وأيقنوا أنهم بإزاء الشرع لا بإزاء القاضي ابن عبد السلام. 

وأفتى الشيخ أن لا يصح لهم بيع ولا شراء ولا زواج ولا طلاق ولا معاملة ، وأنه لا يصح لهم شيء من هذا حتى يباعوا ويحصل عتقهم بطريق شرعي.

ثم جعلوا يتسببون إلى رضاه ، ويتحملون عليه بالشفاعات، وهو مُصِر لا يعبأ بجلالة أخطارهم ، ولا يخشى اتسامه بعداوتهم ، فرفعوا الأمر إلى السلطان ، فأرسل إليه فلم يتحول عن رأيه وحكمه . 

واستشنع السلطان فعله وحنق عليه وأنكر منه دخوله فيما لا يعنيه ، وقبح عمله وسياسته وما تطاول إليه ،وهو رجل ليس له إلا نفسه وما تكاد تصل يده إلى ما يقيمه ، وهم وافرون وفي أيديهم القوة ولهم الأمر والنهي .

وانتهى ذلك إلى الشيخ الإمام فغضب ولم يبال بالسلطان ولا كبر عليه إعراضه، وأزمع الهجرة من مصر، فاكترى حميراً أركب أهله وولده عليها ومشى هو خلفهم يريد الخروج إلى الشام فلم يبعد إلا قليلاً نحو نصف بريد حتى طار الخبر في القاهرة ففزع الناس وتبعوه لا يتخلف منهم رجل ولا امرأة ولا صبي .

وصار فيهم العلماء والصلحاء والتجار والمحترفون كأن خروجه خروج نبي من بين المؤمنين به ، واستعلنت قوة الشرع في مظهرها الحاكم الآمر من هذه الجماهير، فقيل للسلطان: إن ذهب هذا الرجل ذهب ملكك .

فارتاع السلطان فركب بنفسه ولحق بالشيخ يترضاه ويستدفع من غضب الأمة وأطلق له أن يأمر بما شاء وقد أيقن أنه ليس رجل الدينار والدرهم والعيش والجاه أو أنه لبس طيلسان العلماء كما يُلصق الريش على حجر في صورة الطائر . 

ورجع الشيخ وأمر أن يعقد المجلس ويجمع الأمراء وينادي عليهم للمساومة في بيعهم وضرب لذلك أجلاً بعد أن يكون الأمر قد تعالمه كل امرئ في القاهرة ليتهيأ من يتهيأ للشراء والسوم في هذا الرقيق الغالي .

وكان من الأمراء المماليك نائب السلطنة فبعث إلى الشيخ يلاطفه ويسترضيه فلم يعبأ الشيخ به فهاج هائجه وقال: كيف يبيعنا هذا الشيخ وينادي علينا وينزلنا منزلة العبيد ويفسد محلنا من الناس ويبتذل أقدارنا ونحن ملوك الأرض؟

وما الذي يفقد هذا الشيخ من الدنيا فيدرك ما نحن فيه ؟. إنه طالب آخره، إنه يفقد ما لا يملك إلا الله ، فلا جرم ولا يبالي ولا يرجع عن رأيه مادام هذا الرأي لا يمر في منافعه، ولا في شهواته ولا في أطماعه كالذين نراهم من علماء الدنيا، أما والله لأضربنه بسيفي هذا حتى ننتهي منه فما يموت رأيه وهو حي على ظهر الأرض.

ثم ركب النائب في عسكره وجاء إلى دار الشيخ واستل سيفه وطرق الباب فخرج ابنه عبد اللطيف ورأى ما رأى فانقلب إلى أبيه وقال له: انج بنفسك. إنه الموت، وإنه السيف وإنه وإنه . 

فما اكترث الشيخ لذلك ولا جزع ولا تغير بل قال له: يا ولدي ، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله . وخرج لا يعرف الحياة ولا الموت فليس فيه الرجل الإنساني بل الرجل الإلهي ونظر إلى نائب السلطنة وفي يده السيف فانطلقت أشعة عينيه في أعصاب اليد فيبست ووقع السيف منها . 

وتناوله بروح قوية فاضطرب الرجل وتزلزل وكأنما تكسرَّ من أعصابه فهو يرعد ولا يستقر ولا يهدأ . 

وأخذ النائب يبكي ويسأل الشيخ أن يدعو له ، ثم قال : يا سيدي ما تصنع بنا ؟ قال الشيخ : أنادي عليكم وأبيعكم ـ وفيما تصرف ثمننا ـ في مصالح المسلمين ـ ومن يقبضه ؟ـ أنا. 

إن الدينار يا ولدي إذا كان صحيحاً في أحد وجهيه دون الآخر، أو في بعضه دون بعضه فهو زائف كله ، وأهل الحكم والجاه حين يتعاملون مع هؤلاء يتعاملون مع قوة الهضم فيهم فينزلون بذلك منزلة البهائم : تقدم أعمالها لتأخذ لبطونها. والبطن الآكل في العالم السوء يأكل دين العالم فيما يأكله .

فإذا رأيت لعلماء السوء وقاراً فهو البلادة ، أو رقة فسمِّها الضعف ، أو محاسنة فقل إنها النفاق أو سكوتاً عن الظلم فتلك رشوة يأكلون بها .

قال الإمام : وما رأيت مثل شيخي سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام فلقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئاً تصنعه طبيعته كما يصنع جسمه الحياة ، فلا يبالي هلك فيه أو عاش، إذ هو في الدم كالقلب، لا تناله يد صاحبه ولا يد غيره، ولم يتعلق بمال ولا جاه ولا ترف ولا نعيم، فكان تجرده من أوهام الحياة القوة التي لا تغلب، وانتزع خوف الدنيا من قلبه فعمرته الروح السماوية التي تخيف كل شيء ولا تخاف، وكان بهذه الروح كأنه أداة تحويل وتبديل في طباع الناس حتى قال الملك الظاهر بيبرس وقد رأى كثرة الخلق في جنازته حين مرت تحت القلعة : الآن استقر أمري في الملك ، فلو أن هذا الشيخ دعا الناس إلى الخروج علي لانتزع مني المملكة .

قصة قديمة جديدة


العلماءالدعاة حين يعترضون الأمراض الاجتماعية المتوطنة يتعرضون لبلاء شديد، وكذلك الحال حين يتعرضون للغزو الثقافي، ويوقفون امتداده ثم يستأصلون جرثومته.

وسبب الضّر مختلف هنا وهنا.. فالعلل المتوارثة لها سَدَنَة أشدّاء يتعصبون لها ويقاتلون دونها، ويتعامَوْن عن البديل الأفضل، وينطبق عليهم القول الكريم : (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) .

والحق أني وجدت سلطان العرف باطشاً ، ووجدت علماء يصرفون النصوص عن ظاهرها لتبقى التقاليد السائدة ، وقد يخاصمون ببأس شديد لاستبقاء وضع موروث ، لا دليل له إلا أنه موروث.

 . 

وقد انتهى فصل خطير ، وبدأ الفصل الأخطر . يقول بن غريون : إنه لا إسرائيل بدون القدس ، ولا قدس بدون الهيكل . والهيكل المنشود يتم بناؤه على أنقاض المسجد الأقصى وقبة الصخرة .

وقصة الهيكل أن الله لابد أن ينزل وسط شعبه المختار ليحكم العالم بهم ، ويبسط سلطانه من خلالهم ! وعندما يبنى الهيكل فسيكون قدس الأقداس فوق القبة ـ قبة الصخرة ـ وهو المكان الذي يشغله الجلال الإلهي ، ويعمل منه رب إسرائيل .

واليهود توالي الفرص سانحة لتحقيق حلمهم ، بل يرون أنه آن الأوان لهدم المسجد وبناء الهيكل فالعرب أثر بعد عين ، والدين بينهم فريسة مذبوحة ، والكنائس المختلفة تؤازرهم ، والروس أنفسهم يؤثرونهم على العرب ، فلم التريث ؟

وقد أشعل اليهود حماساً عالمياً لمطالبهم ، وصنعوا الغرائب لتعليق الأفئدة بالقدس التي ستكون مكان الرب وهو يحكم الدنيا .

وقد انتهى فصل خطير ، وبدأ الفصل الأخطر . يقول بن غريون : إنه لا إسرائيل بدون القدس ، ولا قدس بدون الهيكل . والهيكل المنشود يتم بناؤه على أنقاض المسجد الأقصى وقبة الصخرة .

وقصة الهيكل أن الله لابد أن ينزل وسط شعبه المختار ليحكم العالم بهم ، ويبسط سلطانه من خلالهم ! وعندما يبنى الهيكل فسيكون قدس الأقداس فوق القبة ـ قبة الصخرة ـ وهو المكان الذي يشغله الجلال الإلهي ، ويعمل منه رب إسرائيل .

واليهود توالي الفرص سانحة لتحقيق حلمهم ، بل يرون أنه آن الأوان لهدم المسجد وبناء الهيكل فالعرب أثر بعد عين ، والدين بينهم فريسة مذبوحة ، والكنائس المختلفة تؤازرهم ، والروس أنفسهم يؤثرونهم على العرب ، فلم التريث ؟

وقد أشعل اليهود حماساً عالمياً لمطالبهم ، وصنعوا الغرائب لتعليق الأفئدة بالقدس التي ستكون مكان الرب وهو يحكم الدنيا .

وعدت إلى مقال الكاتب " السعدني " الناقم على تحريم الخمر فإذا هو يقول : " وعاظ المناسبات يسكتون على ما يغضب الله ، ويدعون إلى جلد شاب في عمر الربيع يحب فتاة رقيقة كالعصفور ، شاحبة كضوء الفجر " ! 

والجلد عقوبة الزناة كما يعرف أولو الألباب ، وظاهر أن الكاتب المخمور يريد اسم الحب إشاعة الزنا ، وتحويل المجتمعات إلى حدائق حيوانات .

لقد عاصرتُ حملات كثيرة على الإسلام ، بيد أن الحملة التي وقعت أخيراً تميزت بمقدار أكبر من الصفاقة والجراءة على الله ورسوله.. 

إن شرائع الحدود والقصاص جزء من الشريعة الإسلامية الرحبة، أو هي سطور قليلة من كتابها الطويل ، ولم يقل أحد: إن تنفيذ الحدود والقصاص إقامة للشريعة كلها . ولم يقل أحد : إن هذا التنفيذ يغني عن الإصلاح الواجب لسائر أجهزة الدولة العليا والدنيا. ولم يقل أحد : إن طلاب هذا التنفيذ سيغلقون أفواههم بعد ذلك ، ويشعرون بأن دولة الإسلام قامت !! 

ولقد قلت في مؤتمر مشهود : إن هذا التنفيذ سيمنع عدة آلاف من جرائم القتل والشروع فيه ، ومن جرائم العدوان على الأموال والأعراض والدماء..

بيد أن صيحتي ذهبت في وادٍ. لأن المراد تعطيل الإسلام وصرف الناس عنه وإبطال حنينهم إليه . 

الصفحة 1 من 71

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة