" واستشهدوا شهيدين من رجالكم "

( أَنْبَأَنِي ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( إجَازَةً ) أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ حَدَّثَهُمْ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } . فَكَانَ الَّذِي يَعْرِفُ مَنْ خُوطِبَ بِهَذَا ، أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ : الْأَحْرَارُ ، الْمَرْضِيُّونَ ، الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِبَلِ : أَنَّ رِجَالَنَا وَمَنْ نَرْضَى مِنْ أَهْلِ دِينِنَا لَا : الْمُشْرِكُونَ ؛ لِقَطْعِ اللَّهِ الْوِلَايَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِالدِّينِ وَرِجَالُنَا أَحْرَارُنَا لَا : مَمَالِيكُنَا الَّذِينَ يَغْلِبُهُمْ مَنْ تَمَلَّكَهُمْ ، عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ : وَأَنَّا لَا نَرْضَى أَهْلَ الْفِسْقِ مِنَّا ، وَأَنَّ الرِّضَا إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْعُدُولِ مِنَّا ، وَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْبَالِغِينَ لِأَنَّهُ إنَّمَا خُوطِبَ بِالْفَرَائِضِ : الْبَالِغُونَ ؛ دُونَ : مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ . ( أَنَا ) أَبُو سَعِيدٍ بْنُ أَبِي عَمْرٍو نَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ (

قوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا "

( أَنَا ) أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ؛ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ } : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَتْمًا عَلَى مَنْ دُعِيَ لِكِتَابٍ ؛ فَإِنْ تَرَكَهُ تَارِكٌ : كَانَ عَاصِيًا . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ [ عَلَى ] مَنْ حَضَرَ مِنْ الْكُتَّابِ أَنْ لَا يُعَطِّلُوا كِتَابَ حَقٍّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ؛ فَإِذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ . كَمَا حُقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الْجَنَائِزِ وَيَدْفِنُوهَا ؛ فَإِذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِيهَا أَخْرَجَ ذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مِنْ الْمَأْثَمِ . وَهَذَا أَشْبَهُ مَعَانِيهِ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } يَحْتَمِلُ مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنْ لَا يَأْبَى كُلُّ شَاهِدٍ : اُبْتُدِئَ ، فَيُدْعَى : لِيَشْهَدَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا عَلَى مَنْ حَضَرَ أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ لِلشَّهَادَةِ ؛ فَإِذَا شَهِدُوا أَخْرَجُوا غَيْرَهُمْ مِنْ الْمَأْثَمِ ، وَإِنْ تَرَكَ مَنْ حَضَرَ الشَّهَادَةَ : خِفْتُ حَرَجَهُمْ ؛ بَلْ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا أَشْبَهُ مَعَانِيهِ [ بِهِ ] ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ فَأَمَّا مَنْ سَبَقَتْ شَهَادَتُهُ : بِأَنْ شَهِدَ ؛ أَوْ عَلِمَ حَقًّا : لِمُسْلِمٍ ، أَوْ مُعَاهِدٍ فَلَا يَسَعْهُ التَّخَلُّفُ عَنْ تَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ مَتَى طُلِبَ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ مَقْطَعِ الْحَقِّ .

قوله تعالى : " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون "

أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( إجَازَةً ) أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ حَدَّثَهُمْ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ، وَقَالَ تَعَالَى : { إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ

قوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا"

وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } . فَأَمَرَ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) بِضَرْبِهِ ، وَأَمَرَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ ؛ وَسَمَّاهُ فَاسِقًا ثُمَّ اسْتَثْنَى [ لَهُ ] إلَّا أَنْ يَتُوبَ . وَالثُّنْيَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ ؛ فِي جَمِيعِ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَهْلُ الْفِقْهِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرٌ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ قَبُولَ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ : إذَا تَابَ ؛ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ؛ ثُمَّ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ . قَالَ : وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ الْقَاذِفِ فَقَالَ : يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وَلَا تَقْبَلُونَ شَهَادَتَهُ .

قوله تعالى : " فاستشهدوا عليهن أربعة منكم "

وَفِيمَا أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( إجَازَةً ) أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } . فَسَمَّى اللَّهُ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْفَاحِشَةِ هَا هُنَا ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) : الزِّنَا أَرْبَعَةَ شُهُودٍ . فَلَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، لَا امْرَأَةَ فِيهِمْ : لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الشُّهَدَاءِ : الرِّجَالُ خَاصَّةً ؛ دُونَ النِّسَاءِ . وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي الْحُجَّةِ عَلَى هَذَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ

قوله تعالى : " فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم "
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ

" وأشهدوا إذا تبايعتم "

وَمِمَّا أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ( إجَازَةً ) أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ حَدَّثَهُمْ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } . فَاحْتَمَلَ أَمْرُ اللَّهِ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْبَيْعِ ؛ أَمْرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ دَلَالَةً عَلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ بِالشَّهَادَةِ ؛ وَمُبَاحٌ تَرْكُهَا . لَا : حَتْمًا يَكُونُ مَنْ تَرَكَهُ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ . ( وَاحْتَمَلَ ) أَنْ يَكُونَ حَتْمًا مِنْهُ يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ بِتَرْكِهِ . وَاَلَّذِي أَخْتَارُ : أَنْ لَا يَدَعَ الْمُتَبَايِعَانِ الْإِشْهَادَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا إذَا أَشْهَدَا لَمْ يَبْقَ فِي أَنْفُسِهِمَا شَيْءٌ ؛

ما يؤثر عنه في القضايا والشهادات

قوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله "

( أَنَا ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( قِرَاءَةً عَلَيْهِ ) نَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } ؛ الْآيَةَ وَقَالَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ

وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث "

قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ : لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سَوْطٍ ؛ فَجَمَعَهَا ، فَضَرَبَهُ بِهَا : فَإِنْ كَانَ يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ إذَا ضَرَبَهُ بِهَا ، مَاسَّتْهُ كُلُّهَا فَقَدْ بَرَّ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ مُغَيَّبًا ، [ فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً ] لَمْ يَحْنَثْ فِي الْحُكْمِ ، وَيَحْنَثْ فِي الْوَرَعِ . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } ، وَذَكَرَ خَبَرَ الْمُقْعَدِ الَّذِي ضُرِبَ فِي الزِّنَا بِإِثْكَالِ النَّخْلِ .

ما يؤثر عنه في الأيمان والنذور

قوله تعالى : " من كفر بالله من بعد إيمانه"

( أَنَا ) أَبُو سَعِيدٍ نَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } فَجَعَلَ قَوْلَهُمْ الْكُفْرَ : مَغْفُورًا لَهُمْ ، مَرْفُوعًا عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَكَانَ الْمَعْنَى الَّذِي عَقَلْنَا أَنَّ قَوْلَ الْمُكْرَهِ ، كَمَا لَمْ يَقُلْ : فِي الْحُكْمِ ، وَعَقَلْنَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ هُوَ أَنْ يُغْلَبَ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ . فَإِذَا تَلِفَ مَا حَلَفَ : لَيَفْعَلَنَّ فِيهِ شَيْئًا ؛ فَقَدْ غُلِبَ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ . وَهَذَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى الْإِكْرَاهِ . وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) الْقَوْلَ فِيهِ ، وَاخْتَارَ : أَنَّ يَمِينَ الْمُكْرَهِ : غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَلَيْهِ لِمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ [ وَالسُّنَّةِ ] . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَ [ هُوَ ] قَوْلُ عَطَاءٍ إنَّهُ يُطْرَحُ عَنْ النَّاسِ ، الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ .


الصفحة 8 من 86

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة