إن من الدلائل التى يمكن منها البرهنة على وجود الحق سبحانه وتعالى (الدليل الإنطلوجى)(الوجودى) هذا الدليل الذى يقوم على التأمل فى ذات الوجود مستلهمين منه النزول إلى الوجود العينى والذى لولا وجود الحق سبحانه وتعالى لم يكن لهذا الوجود كون أو ثبوت وهذا النوع من الاستدلال كما سبق وأشرنا لا يصلح لكل أحد بل يخاطب به أناس صفت فطرهم وتوقدت قرائحهم فاستدلوا بالوجود المحض عن طريق تأمله على وجود الخلق وإذا أتينا إلى الفكر الفلسفى لنستوضح هذا الدليل من خلاله فإننا نجد المعلم الثانى أبا نصر الفارابى فى كتابه (فصوص الحكم) يحدثنا عنه موضحا أن الإنسان يمكنه أن يلحظ الوجود الإلهى عن طريقين :-

وإذاكان الفارابى فى كلامه السابق قد أظهر ميلاً إلى الاستدلال على الوجود من خلال الوجود ذاته فإننا لا نذهب إلى ما ذهب إليه بل نميل إلى إثبات وجود الحق سبحانه وتعالى عن طريق وجود الخلق وما فى ذلك من اتساق ونظام إذ إن هذا طريق معبد مأمون ميسور حصوله لكل أحد وليس الفارابى بمفرده هو الذى نحى المنحى السابق بل شاركه ابن سينا فى رأيه مبينا أن غثبات الوجود من خلال التأمل فى الوجود ذاته بمعنى الاستدلال بالعلة على وجود المعلول هو أوثق الطرق وهذا هو طريق الصديقين على حسب ما يعبر ابن سينا والذى أعد نفسه منهم وكذلك كل من سلك طريقه وأما الذين يستدلون بالفعل على الفاعل والخلق على الخالق والمعلول على العلة فهؤلاء من جملة العوام الذين لا يليق أن يصلوا إلى مرتبة الصديقين الذين يقف على رأسهم، وابن سينا ومن شايعه يقول ابن سينا (تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته وبراءته عن الصفات إلى تأمل لغير نفس الوجود ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله وإن كان ذلك دليلاً عليه لكن هذا الباب أوثق أى إذا اعتبرنا حال الوجود ويشهد به الوجود من حيث هو موجود وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده فى الوجود وغلى مثل هذا أشير فى الكتاب الكريم:{سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } أقول إن هذا حكم لقوم ثم يقول: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أقول إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)[1].

      هكذا تحدث ابن سينا ومن قبله الفارابى عن الدليل الوجودى وبانتهاء حديثهم عنه نكون قد فرغنا من الوقوف على الدلائل البرهانية على الوجود الإلهى وذلك من خلال الفكر الفلسفى فى المشرق والمغرب والذى ظهر فيه التأثر بالدلائل القرآنية وإن كان قد اختلف الأسلوب فى التعبير عن المعانى عن ما انتهجه القرآن الكريم والواقع أننا رأينا الفكر الفلسفى الإسلامى وقد تعرض لمعظم هذه الدلائل إلا أنى لن أعثر فيما أطلعت عليه من كتب الفلاسفة الإسلاميين كلاما لهم فيه يعتمدون على الفطرة كأساس لدليل يمكن الاستئناس والاستشهاد به على إثبات الوجود الإلهى ولربما كان مرد ذلك إلى التقديس للعقل وحكمه مما قد يظن معه المجافاة للدليل الفطرى إلا أن الواقع على خلاف ذلك .

 


[1]الإشارات والتنبيهات ج3 ص54، 55.

وقد تناول أبى الحسين الخياط ت300هـ فإننا نجده قد تناول هذا الاستدلال بالحديث أيضا مبينا أن الحق سبحانه وتعالى قد نصب الدلائل على معرفته حتى تنقطع الأعذار ولا يكون ثمة حجة لأحد من خلقه فمن تأمل فى المخلوقات أبصر أن لها خالقا ويقف وراءها مدبرا يقول أبو الحسين الخياط: (إن الله تعالى إذ دل خلقه على نفسه فقد قطع عذرهم وأزاح عللهم ولابد فى حكمته من أن يعرفهم ما نصب لهم من الأدلة على نفسه فالأشياء بأجسامها والوانها وأراييحها وتأليفها وافتراقها وحرها وبردها ويبسها وبلتها دلائل على الله خالقها)[1] .

 

شكا يهودي علي ابن أبي طالب رضي الله عنه للإمام العادل عمر بن الخطاب، فقال عمر: قم يا أبالحسن فاجلس بجوار خصمك – فجلس عليّ بجوار خصمه و ظهر على وجهه علامة التأثر – فلما فصل عمر في القضية قال لعليّ: أكرهت يا عليّ أن تساوي خصمك "يعني أَغضبتَ عندما قلت لك اجلس بجوار خصمك" فقال الإمام عليُّ: لا – و الله – لكني تألمت لأنك ناديتني بكنيتي فلم تسوِّ بيننا – و الكنية للتعظيم – فخشيت أن يظن اليهودي أن العدل ضاع بين المسلمين...

و انظر إلى الإمام العادل خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز الذي توفى سنة 101 بحلوان، طلب منه صديقه المقرب إليه و هو: "عنبسة بن سعيد" ذات يوم حاجة لنفسه فاسمع ماذا قال عمر؟ قال له: يا عنبسة إن يكن مالك الذي عندك حلال فهو كافيك و إن يكن حراماً فلا تضيفن اليه حراماً. و اتقي الله.

أخبرني يا صديقي: أمحتاج أنت؟ أفقير؟ قال: لا. قال: أفعليك دين؟ قال: لا. قال: فكيف أعطيك من مال المسلمين و أدع فقراء المسلمين؟ يا عنبسة: إن الأكباد الجائعة أولى بالصدقات من بيت الله الحرام.

يا عنبسة: اتق الله و انظر من أين جمعت المال؟

يا عنبسة: حاسب نفسك قبل أن يحاسبك الله أسرع الحاسبين.

افتقد علي بن أبي طالب درعا له كانت غالية عليه، و بعد مدة وجدها في يد رجل يهودي يبيعها في سوق الكوفة. فلما رآها عرفها فقال الإمام علي: هذة درعي ضاعت مني في مكان كذا و كذا، فقال اليهودي: بل هي درعي و في يدي. قال علي: هذه درعي لم أبعها لأحد. فقال اليهودي: بيني و بينك قاضي المسلمين. فذهب إلى القاضي شرع فقال القاضي للإمام علي: ما قولك يا أمير المؤمنين. قال: لقد وجدت درعي مع هذا الرجل و قد سقطت مني في ليلة كذا و في مكان كذا.

ثم قال القاضي: و ما تقول أيها الرجل. فقال: الدرع درعي و هي في يدي. فقال القاضي: هل عندك شهود يا علي؟ قال: نعم مولاي قنبر، و ابني الحسن يشهدان لي. فقال القاضي شريح: شهادة الإبن لأبيه لا تجوز. فقال الإمام علي: سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ قال القاضي: شهادة الإبن لأبيه لا تجوز. عند ذلك التفت الإمام علي لليهودي و قال: خذها، فليس لي شاهد غيرهما. فقال اليهودي: أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه، و قاضيه يعطيني الحق. أشهد يا أمير المؤمنين أن هذا الدرع درعك، و أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا العدل إنه لحق. و أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله. فقال الإمام علي: فإني قد وهبتها لك، و وهبت لك معها هذا الفرس، و نفقتك من بيت مال المسلمين.

د/نور مكاوي

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة