واحة الذاكرين (استراحه)

واحة الذاكرين (استراحه) (42)

إنها الكلمة العظيمة التي قالها الرسول الكريم صلي الله عليه و سلم لصاحبه أبي بكر الصديق عندما دخلا الغار و أصاب أبا بكر نوع من الحزن و قال لرسول الله صلي الله عليه و سلم: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، فقال رسول الله صلي الله عليه و سلم: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا". {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (سورة التوبة: 40)

فلا تحزن لكيد الكائدين، و لا لمكر الماكرين و لا لحقد الحاقدين، فإن الله معك و ناصرك مادمت تنصره و تنصر دينه. {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }

 

د/ نور مكاوى

فأنت لا تدري أي الحالين خير؟ و قضاء الله خير من قضائك، و تدبيره خير من تدبيرك، فلا يعرف الإنسان أي أحواله خير، هل في الزواج، أم في الإنجاب؟ أم في الأولاد؟ أم في البنات؟ أم في عدم الإنجاب؟ أم في غير ذلك؟ سلم أمرك لله و ما قدره لك سوف يكون، فهو مالك الملك و المتصرف فيه، و عليك أن تأخذ بالأسباب، و تعتمد علي مولاك {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.(الشورى. 49: 50).

إن الخير كله في الرضا بأقدار الرحمن. فلا تحزن...

أخي: ما يدريك أن يشرق هذا القلب بقبس وهاج من نور الله فيصبح منارة تضئ لك طريق الوصول إلى الله !!

 

د/ نور مكاوى

فالصابر يدخل الجنة بغير حساب {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[i] {..وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا}[ii]

و الصابر يكفر خطاياه و ذنوبه، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن رسول الله صلي الله عليه و سلم أنه قال: "ما يصيب المسلم من نصب و لا وصب، و لا هم و لا حزن و لا أذي و لا غم حتي الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"[iii].

و الصابر له الجنة، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قال: يقول الله تعالي: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة"[iv].

نعم... اسأل الله تيسير حالك، و اعلم أنك تتوكل علي الله الذي لا يموت {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}

{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}. {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}

و تيسير الأحوال علي الله... و تفريج الهموم علي الله، فهو صاحب كل يسر، و كاشف كل كرب... فإذا يسر الله أمراً تيسر

 

د/ نور مكاوى

اطلب الرزق في أرجاء الأرض كلها، و اعمل، و انفض الهموم من علي كاهلك، و استعن بمولاك، {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}و قم بدورك في الحياة، و إذا لم تجد حياة فاصنع لنفسك حياة، و لا تقف مكتوف الأيدي و الأرجل، فإن الحياة لم تخلق للضعفاء و العجزة و الكسالي.

 

د/ نور مكاوى

قال عبد الله بن المبارك: خرجت حاجاً إلي بيت الله الحرام، و زيارة نبيه عليه الصلاة و السلام. فبينما أنا في الطريق إذ أنا بسواد، فتميزت ذاك، فإذا عجوز عليها درع من صوف و خمار. فقلت: السلام عليك و رحمة الله و بركاته فقالت: {سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}. فقلت: رحمك الله، ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت: {وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}؛ فعلمت أنها ضالة عن الطريق.

فقلت لها: أين تريدين؟ قالت: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} فعلمت أنها قضت حجها، و هي تريد بيت المقدس. فقلت لها: أنت منذ كم في هذا الموضع؟ قالت: {ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا}. فقلت لها: ما أري معك طعاماً تأكلين؟ قالت: {هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}. فقلت: فبأي شئ تتوضئين؟ قالت: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا }. فقلت لها: إن معي طعاماً، فهل لك في الأكل؟ قالت: {ثُمَّ أَتِمُّواْ  الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ }. فقلت: قد أبيح لنا الإفطار في السفر، قالت: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }. فقلت:لم لا تكلمينني مثل ما أكلمك؟ قالت: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} قلت: فمن أي الناس أنت؟ قالت: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.

كن جميلاً في تعاملك مع الناس. في تعاملك مع جيرانك. في تعاملك مع نفسك. كن سمحاً في بيعك و شرائك، كن كريم النفس، كن عظيم الخصال، كن كريم الطباع، فالذي نفسه بغير خصال عظيمة، و صفات كريمة، لا يري في الوجود شيئاً جميلاً.

أيها الشاكي و ما بك داء             *         كن جميلاً تري الوجود جميلاً

 

د/ نور مكاوى

قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}[i]

قال ابن القيم: ففضله: الإسلام و الإيمان، و رحمته: العلم و القرآن. و هو يحب من عبده أن يفرح بذلك و يسر به. بل يحب من عبده أن يفرح بالحسنة إذا عملها و أن يسر بها. و هو في الحقيقة فرح العبد بفضل الله حيث وفقه الله لها، و أعانه عليها و يسرها له. ففي الحقيقة: إنما يفرح العبد بفضل الله و برحمته.

و من أعظم مقامات الإيمان: الفرح بالله، و السرور به. فيفرح به سبحانه رباً، و إلهاً، و منعماً و مربياً.

و لكن العاقل اللبيب يجمع إلي هذا السرور حذراً من مكر الله تعالى، فإن السرور يبسط النفس و ينميها. و ينسيها عيوبها و آفاتها و نقائصها. إذ لو شهدت و أبصرته لشغلها ذلك عن الفرح.

و أيضاً فإن الفرح بالنعمة قد ينسيه المنعم. فيشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه. فيطفح عليه السرور، حتي يغيب بنعمته عنه. و هنا يكون المكر إليه أقرب من اليد للفم.

و لله كم هاهنا من مسترد منه ما وهب له عزة و حكمة! و ربما كان ذلك رحمة به. إذ لو استمر علي تلك الولاية لخيف عليه من الطغيان. كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}[ii]

فإذا كان هذا غني بالحطام الفاني، فكيف بالغني بما هو أعلى من ذلك و أكثر.



سورة يونس: 58.[i]

سورة العلق: 6،7.[ii]

 

د/ نور مكاوى

هل قرأت القرآن؟ هل قرأت آيات منه؟ هل قرأت سورة قصيرة؟ هل تدبرت معانيها، و تأثر قلبك، و انتفع بهديها عقلك؟ أم أن قلبك جامد، و فؤادك قاس؟

أخي و صاحبي:ارفع الأقفال، و اكشف غطاء قلبك لينتفع قلبك بالإيمان. قال تعالي: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}

يقول ابن القيم:

فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، و استنارت فيها مصابيح الإيمان. و علمت علماً ضرورياً يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية- من الفرح و الألم، و الحب، و الخوف- أنه من عند الله. تكلم به حقاً. و بلغه رسوله جبريل عنه إلي رسوله محمد. فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. و به احتج هرقل علي أبي سفيان حيث قال له:"فهل يرتد أحد منهم سخطه لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا فقال له: و كذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد" و قد أشار تعالي إلي هذا المعني في قوله {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} و قوله {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} و قوله{أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} و قوله{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} يعني أن الآية التي يقترحونها لا توجب هداية. بل الله هو الذي يهدي و يضل. ثم نبههم على أعظم آية و أجلها، و هي طمأنينة قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله. فقال {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ} أي بكتابه و كلامه {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} فطمأنينة القلوب الصحيحة، و الفطر السليمة به؛ و سكونها إليه من أعظم الأيات. إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب و تسكن إلى الكذب و الإفتراء و الباطل.

 

د/ نور مكاوى

و اطلب منهالمغفرة و الرحمة، و اطلب منه العفو و الصفح و الغفران، و داوم علي الاستغفار، فإن الاستغفار يجلب الرزق، و يكثر الخير، و يغدق على الإنسان أبواب الخير.

{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا }. (نوح: 10 إلي 12).

و كان رسول الله يستغفر كل يوم أكثر من سبعين مرة، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه و سلم يقول: "و الله إني لأستغفر الله و أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".

الصفحة 1 من 3

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة