القصص القرآني

القصص القرآني (282)

ولا شك أن قارئ القصة وسامعها لا يملك أن يقف موقفا سلبيا من شخوصها وحوادثها ، فهو على وعي منه أو غير وعي يدس نفسه على مسرح الحوادث ويتحيل إن كان في هذا الموقف أو ذاك ، ويروح يوازن من نفسه بين أبطال القصة فيوافق أو يستنكر أو يملكه الاعجاب.

أثر القصص القرآني في التربية والتهذيب.

مما لا شك فيه أن القصة المحكمة الدقيقة تطرق المسامع بشغف وتنفذ إلي النفس البشرية بسهوله ويسر، وتسترسل مع سياقها المشاعر فلا تمل ولا تكد ، ويرتاد العقل عناصرها فيجني من حقولها الازاهير والثمار.

ومن أهداف القصص القرآني وفوائده ايضا تصحيح التحريف الذي وقعت فيه أمم كثيرة فأفسد عقيدتها ونقلها من التوحيد إلي الشرك ، فقد غالوا في دينهم ورفعوا بعض العياد من مرتبة البشرية إلي مرتبه الألوهية ، وهنا تأتي القصة بتصويب هذا الانحراف ، وتصحيح هذا التصور ، ويتضح ذلك في قصة مريم في سورة مريم من قوله تعالى" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا" إلي قوله " مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ" ([1])

وقال ايضا " كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا" ([1])

 22- ومن أهداف القصص القرآني وفوائده ايضا : بيان سنن الله في استعداد الناس للإيمان والكفر ، والخير والشر والهدى والضلال ، واستكبار الرؤساء والمترفين والمقلدين للآباء عن الإيمان والخير والإصلاح واهتداء المستضعفين والفقراء إلي الإيمان والخير والإصلاح.

ومن أهداف القصص القرآني أيضا :بيان الفارق بين الحكمة الإنسانية القرآنية العاجلة والحكمة الإلهية البعيدة الآجلة ، وذلك كقصة موسي عليه السلام مع العبد الصالح الذي آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما ، وأراد موسي عليه السلام مصاحبته ليتعلم منه بعض العلم ، فمضي في طريقة للقلتفي به ، ولكن فتاة نسي غداءهما عند الصخرة ، وكأنما نسيه ليعودا فيجد هذا الرجل هناك ، فيقول له موسي عليه السلام في أدب  المتعلم " قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا" ([1])

وقصة صاحب الجنتين مع صاحب له ، ليس من ذوى الجنان ، ولكنه من ذوي الإيمان وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس ، صاحب الجنيتين نموذج للرجل الثري ، تذهله الثروة وتبطره النعمة ، فينسي القوة الكبرى التي تسيطر على أقدر الناس ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفني وصاحبه نموذج للرجل المؤمن من المعتز بإيمانه الذاكر لربه، يرى النعمة دليلا على المنعم موجبة لحمده وشكره ، لا لجحوده وكفره.

وقال تعالى أيضا " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً" ([1])

 وقال تعالي" إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" ([2])

وفي نهاية آيات القصة في سورة الحجر يقسم أبليس بإغواء الله عز وجل له أن يزين لنبي آدم في الأرض ويغويهم أجمعين إلا عباد الله المخلصين .

 " قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" ([1])

  ثم جاءت القصة الثالثة: وهي قصة أصحاب الأيكة ، وتصديقا لجانب الوعيد قال تعالى " وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ" ([1])

 ثم جاءت القصة الرابعة : وهي قصة أصحاب الحجر تصديقا لجانب الوعيد ايضا حيث قال الله تعالى " وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84)" ([2])

ثم ذكرت قصة عاد وفي بدايتها قوله تعالي" كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ" وفي نهاية قوله تعالي "  فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" ([1])

 ثم ذكرت قصة ثمود وفي بدايتها قوله تعالى " كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ" نهايتا قوله تعالى " فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" ([2])

الصفحة 1 من 21

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة