×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

الإعجاز في القرآن الكريم

الإعجاز في القرآن الكريم (202)

الإخاء الصادق بين المسلمين كما قال جل شأنه:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات:10) فمن واجب المسلم أن يستشعره وأن يعرف أن بينه وبين غيره من المسلمين واجبات وحقوق ملزمة مثل حقوق الإخاء الحقيقى بين الأشقاء، إذ يربط بينهما نسب الإسلام كالنسب فى الإبوة،ويقول الرسول: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (رواه مسلم) فالأمة الإسلامية جميعها بنيان واحد مترابط يشده هذا الإخاء الوثيق فلا يتداعى، ويضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا لما ينبغى أن يكون عليه الإخاء من التعاون والتآزر بين أفراد الأمة قائلا: "مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى(رواه البخارى) .

أدخل الإسلام فى حياة الأسرة المسلمة أركان حضارية متعددة وأول ركن حضارى طلبه من المسلم – كما فى سورة الإسراء – الإحسان إلى الوالدين {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(الإسراء23، 24) .

 

ويعرض الله فى سورة البقرة الطلاق بالآيات من226إلى242 ويستهلها بمن يحلفون على زوجاتهم ألا يقربوهن، ويأمرهن أربعة أشهر، فإن رجع الأزواج فيهن فبها وعليهن كفارة اليمين، وإلا وجب الطلاق حتى لا يتمادى الرجل فى تعذيب زوجته، وتتعاقب احكام الطلاق وعدّة المرأة بعد الطلاق وبعد وفاة زوجها وما يجب لها من الإنفاق عليها فى مدة العدة. ويفرد الله للطلاق سورة يذكر فيها عدتها وقضاء مدتها بمنزلها والإمساك بها أو طلاقها بمعروف وإشهاد عدلين على الطلاق وحكم اليائسات من الحمل اللائى لم يبلغن سنّه والعدة لهن وللحاملات والإنفاق فيها عليهن والمسكن وما يجب على الزوج من أجر الرضاعة .

      كان العرب – فى الجاهلية – يعيشون فى طور البداوة قبائل متعددة حتى فى مدنهم التجارية مثل مكة والزراعية مثل المدينة ومدن اليمن والحيرة، ووراء المدن كان يعيش العرب فى تهامة ونجد وبوادى الشام وجنوب الجزيرة على الأغنام والأنعام، وكانت الصحراء تحميهم وتحرس تقاليدهم، وكانوا يتنافسون داخل الجزيرة على آبار الماء والمراعى، فاستحالت حياتهم حربية، واتخذت قبائلهم الغزو وسيلة من وسائل عيشهم. وكانت معارفهم محدودة فهى معارف أولية ساذجة، وكانت أنسابهم أهم معارفهم. وكانت القبيلة تتألف من ثلاث طبقات: أبناؤها وهم قوامها، والعبيد وهم رقيقها المجلوب من البلاد الأجنبية المجاورة، والموالى وهم عتقاؤها، وكانوا ينفون عنهم من تكثر جناياتهم، ومنهم طائفة الصعاليك التى تعيش للنهب وقطع الطريق وكانوا يتمدحون ويفتخرون بالشجاعة بحكم حروبهم المستمرة وبالأنفة وإباء الضيم وكان يشيع بينهم شرب الخمر والقمار واستباحة النساء .

القرآن كتاب هداية ربانية يدعو إلى عقيدة دينية مُثلى تقوم على عبادة الله والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر والجن وغير ذلك من الأمور الغيبية مع ما يدعو إليه من روابط الأمة والأسرة ومكارم الأخلاق .

       ويضع الله صُنعه العظيم للكون أمام بصر الإنسان ليتأمل فى خلق الله، من ذلك قوله جل شأنه فى سورة آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ }(آل عمران:190) وهو يقول إن فى خلق السماوات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم وخلق الأرض وما فيها من البحار والمحيطات والأنهار والجبال والأشجار والنباتات واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما طولا وقصرا بحسب فصول السنة {لَآَيَاتٍ }وعِبرات وعظات لأصحاب العقول البصيرة .

يشير الله إلى أن فى الأرض قطع متجاورة وكل قطعة تنبت ما لا تنبته أختها اللاصقة بها من الزرع والثمرات{وَجَنَّاتٌ}،أى بساتين{مِنْ أَعْنَابٍ }و{وَزَرْعٌ}من كل شكل{وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ}تخرج فيه النخلتان والثلاث من أصل واحد{وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ}ومع ذلك أى مع خروجها من جذر واحد وشربها من ماء واحد تختلف ثمارها ممن نخلة إلى نخلة فى الطعم، وهى نعمة من نعم الله على الإنسان فيما يطعم من النوع الواحد مثل التمر، وإن طعومه لتعد بالعشرات. ويقول الله فى سورة الأنبياء:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}(الأنبياء:30،31) .

ويقول الله فى سورة الأعلى إنه {خَلَقَ}(الأعلى:2) وأبدع كل ما فى الكون {فَسَوَّى}أى أعطاه هيأته وصورته كما ترى فى أعضاء الإنسان وفى نظام مسيرة الشمس. ويقول: إنه سخر للإنسان كل ما فى الكون كما فى سورة الجاثية:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}(الجاثية13)فجميعها مسخرة للإنسان للإنتفاع بها: ضياء الشمس ونور القمر والجبال والوديان. ويضرب الله مثلا لتسخير البحر:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}(النحل:14) فقد ذلَّله الله لصيد السمك واستخراج اللؤلؤ ولركوبه من بلد إلى بلد للتجارة والحج .

       وهذه الأمثلة ونظائرها فى القرآن الكريم التى تصور صنعة الله الكونية وما أودعه فى الكون بسمائه من نظم – فى رأينا – مدار إعجازه العلمى الربانى. ويندرج فى ذلك أنه نقل العرب من أمة بدوية لا تعرف القراءة والكتابة إلى أمة متحضرة لها علومها المتنوعة. وأول آية أنزلت منه{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ }(العلق:1) حين مثل جبريل للرسول فى غار حراء، وقال له{اقْرَأْ } فقال له ما أنا بقارىء فأخذه،فغطّه أى ضمه وعصره حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال له:اقرأ فقال: ما أنا بقارىء، فأخذه فغطّه الثالثة حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(العلق:1- 5) .

     كل ما كتب علماؤنا عن قضايا الإعجاز العلمى فى القرآن امتداد – لنظرية الغزالى التى عرضناها فيما أسلفنا. ويحصى الدكتور نصار فى كتابه الإعجاز العلمى فى القرآن من نادوا بهذا التفسير وفى مقدمتهم فخر الدين محمد عمر الرازى ت606هـ/1210م فى تفسيره للقرآن المسمى: مفاتيح فى تفسيره اتساعا شديدا، وخاصة فى الوصل بين الإشارات الكونية فى القرآن وعلم الهيئة وهو يعلن ذلك فى تفسيره إذ نراه إزاء أكثر الإشارات الكونية يتوقف مصرحا بأنه سيذكر نبذة من علم الهيئة ولو أن شخصا جمع كل ما كتبه فى نبذة لخرج له كتاب بديع فى علم الهيئة أو الفلك .

ولكى يتضح لنا تفسير الفخر الرازى وما يعرض فيه من موضوعات تخرج به إلى موسوعة معارف نستعرض موضوعات الجزء الأول من تفسيره الذى يمتد إلى756صفحة ويبتدىء بمقدمات تعرض مباحث لغوية فى الفعل والاسم والمعرب والمبنى حتى ص45 ويذكر مسائل فقهية متصلة بالاستعاذة ومباحث عقلية ترتبط بها، ويفيض فى الأسماء والصفات المتصلة بالذات العلية وأخيراً فى ص120نصل إلى آية بسم الله الرحمن الرحيم ونظل فى مقدمات حتى نصل إلى تفسير سورة الفاتحة فى ص169حتى نهايتها فى ص203ويعود إلى مباحث فرعية تتصل بسورة الفاتحة حتى ص226 حيث يبدأ سورة البقرة وتفسيرها وفى رأينا ان كل المباحث المجلوبة قبل تفسير سورة الفاتحة وبعدها ليس القارىء فى حاجة ضرورية إليها .

واستشهد ابن أبى الفضل بآية أخرى هى آية سورة النحل فى وصف عسل النحل {شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ }(النحل:69) وكأن مجرد ذكر عسل النحل وأنه شفاء للناس ذكر للطب بجمسع علله. وذكرَ الجدل أو علم الجدل وهو حقا كثير فى القرآن واستشهد عليه بمحاجّة إبراهيم للملك فى سورة البقرة إذ قال إبراهيم{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر}(البقرة258)أى تحير ولم ينطق بكلمة. وذكر ابن أبى الفضل علم الهيئة، وحقا فى القرآن إشارات كونية كثيرة ولكن ينبغى أن لا تنتهز الفرصة لنقل علم الهيئة إلى علم تفسير القرآن كما صنع الفخر الرازى .

الصفحة 8 من 15

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة