×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

الإعجاز في القرآن الكريم

الإعجاز في القرآن الكريم (202)

       والقصر الثانى بإنما وبما وإلا. يقول النحاة إن معنى (إنما) ما وإلا مستشهدين على ذلك بمثل قوله تقدس اسمه:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }(الأعراف33) أى ما حرم ربى إلا الفواحش – ويقول عبدالقاهر إنهم لم يعنوا بذلك أن المعنى فى (إنما) هو المعنى فى:(ما وإلا) لأن (إنما) تستعمل إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا لما سواه، فهى وما وإلا ليسا سواء فليس كل كلام يصلح فيه (ما وإلا) يصلح فيه(إنما)إذ لا تصلح فى مثل قوله تعالى:{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} ولا فى مثل: (ما أحد إلا وهو يقول ذلك) إذ لو قلت: إنما من إله إلا الله وإنما أحد إلا وهو يقول ذلك قلت كلاما ليس له معنى فإن قيل إن سبب ذلك أن أحدا لا يقع إلا فى النفى وما يجرى مجراه، وأن ةمن الزيدة فى قوله{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ}كذلك لا تكون إلا فى النفى. وفى هذا اعتراف واضح بأن: (ما وإلا) لا تصلحان فى ضرب من الكلام قد صلحت فيه إنما. وهذا أول فرق. والفرق الثانى أن (إنما) تجىء لخبر لا يجهله المخاطب مثل قوله تعالى:{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ }(الأنعام36)وقوله تعالى:{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ }(يس11). كل ذلك كما يقول عبدالقاهر بأمر ثابت معلوم إذ كل عاقل يعلم أن لا تكون استجابة إلا ممن يسمع ويعقل ما يقال له وأن من لم يسمع ولم يعقل لم يستجيب، وكذلك معلوةم أن الإنذار لا يكون له تأثير إلا مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدق بالبعث والقيامة. ومثل ذلك قولهم: إنما هو أسد وإنما هو سيف صارم. ومعنى ذلك أنهم إذا أدخلوا (إنما) جعلوا ذلك فى حكم الظاهر المعلوم الذى لا ينكره أحد. وأما الخبر بالنفى و الإثبات: (ما هو إلا مصيب)(وما هو إلا مخطىء) فانك تقوله لمن ينكره ويشك فيه . ومتى رأيت شيئا من المعلوم الذى لا يشك فيه قد جاء بالنفى والإثبات مثل قوله تعالى: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير}(فاطر23)فقد جاءت العبارة بالنفى والإثبات بعد قوله تعالى:{وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}(فاطر22) أى إنك يا محمد لن تستطيع ذلك، فأخرجت العبارة: (إن أنت إلا نذير) مخرجها مع من يشك فى ذلك مثل قوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }(الأعراف:188) .

 

ويطيل فى أن الفصاحة ليست فى الألفاظ وإنما هى فى النظم بضم بعض الألفاظ إلى بعض مما يوجد بينها علاقات فى الصياغة توجب فيها الفصاحة، ويلفت إلى فكرة مهمة وهى أن تفسير بيت أو آية من الذكر الحكيم لا يساويهما فى نظم العبارة وصياغتها، وفى ذلك الشهادة الناطقة بأن المعوَّل عليه فى الإعجاز إنما هو النظم وإلا أصبح لتفسير البيت بلاغته ولتفسير القرآن إعجازه. ويؤديه ذلك إلى فكرة دقيقة فى بحث السرقات الشعرية، وهى انه مهما اتفق بيتان فى المعنى لابد أن يقوم بينهما خلاف فى الصياغة والأداء وبعبارة اخرى فى النظم.وإذا كان العلماء بالشعر ونقاده قد قالوا إن معنى فى بيت هو نفس المعنى فى بيت ثان فإنهم لا يريدون أن حكم البيتين فى المعنى مثل حكم الاسمين وضعا فى اللغة لشىء واحد كالليث والأسد مثلا، وإنما يريدون أنه يجمعهما جنس واحد، ثم يفترقان بخصائص مثل الخاتم والخاتم والقُرْط والقرط والسوار والسوار وسائر أصناف الحلىّ التى يضمها جنس واحد، وتختلف أشد الاختلاف فى الصفة والهيئة. ويعرض طائفة من الأبيات التى يجمعها مبحث السرقات، ويبين ما بين كل بيتين أو أبيات تشترك فى معنى من فرق فى النظم والأداء ويسمى هذا الفرق باسم الصورة ويشرحها قائلا:

      وتلا الباقلانى القاضى عبدالجبار الأسد آبادى قاضى قضاة الدولة البويهية بإيران اكبر أعلام المعتزلة فى عصره، وأهم مصنفاته كتابه المغنى فى أبواب التوحيد والعدل، وهو فى عدة أجزاء، وعنيت وزارة الثقافة بنشره، وخصّ الجزء السادس عشر منه بالحديث عن إعجاز القرآن، ويهمنا منه فصلان: فصل عن أستاذه المعتزلى أبى هاشم الجبَّائى وفيه يقول إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه وحسن معناه، وجعلها الصفة التى بها يفضل الكلام، وردذ على الباقلانى والجاحظ فكرة النظم التى يرجعون إليها إعجاز القرآن قائلا إنه لا يوجد فى الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما، وأكد كلامه ملاحظا أن فى فكرة أستاذه الجبائى نقصا، لأنه لم يلاحظ صورة تركيب الكلام مما جعله يعقد فصلا ثانيا لبيان معنى الفصاحة قائلا إنها لا تظهر فى أفراد الكلام أو مفرداته وإنما تظهر فى الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ويقول إن لكل كلمة مفردة صفة إما بالمواضعة، وإما بالإعراب، وإما بالموقع ثم يقول إن المزية فى الكلام ترجع إلى اختيار الكلم وإلى التقدم والتأخر الذى يختص بالموقع وإلى الحركات التى تخص الإعراب .

      كان يعاصر الرمانى الباقلانى، وهو أبو بكر محمد بن الطيب المتوفى سنة403هـ وله كتاب فى إعجاز القرآن، وأول فصل فيه بيان أن القرآن معجزة الرسول وأنها تقوم على بلاغة القرآن وألحقه بفصل رد فيه على من عللوا الإعجاز القرآنى بالصَّرفة أى بصرفة العرب عن معارضته، كأن معارضته كانت ممكنة، ومنعت منها الصّرفة ويقول إن أهل التوراة والإنجيل لا يدعون لكتابيهما الإعجاز، فالقرآن وحده هو الكتاب السماوى المعجز، ويرد على ما يزعمه مجوس إيران من أن كتابى مانى وزرادشت معجزان لأنهما مليئان بالشعوذة.ويفتح فصلا لبيان وجوه الإعجاز القرآنى عنده وعند أصحابه من الأشاعرة، ويقول إنها ترجع إلى ثلاثة وجوه،الإخبار عن الغيوب، وما فيه من القصص الدينى وسير الأنبياء، ثم بلاغته. ويحاول تفسير بلاغته ويردها إلى ما ذكره الجاحظ من نظم القرىن الفريد،وينوه بخلوه من اللفظ الوحشى والصنعة المتكلّفة. وعقد فصلا لنفى الشعر عن القرآن،كأن الفكرة تحتاج إلى إثبات، وتلاه بفصل عن نفى السجع عنه، ذكر فيه ما قاله الرمانى من أن فواصله تتبع المعنى، أما السجع فيتبعه المعنى مع ما يشيع فيع من التكلف والثقل – وعقب ذلك عقد فصلا لوجوه البديع وهل يمكن تعليل الإعجاز البلاغى بها أولا يمكن، ويذكر الموازنة، وهى تساوى الفاصلتين فى آيتين فى الوزن دون التقفية كقوله تعالى{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}(الغاشية15، 16) وهى من ألوان البديع. ويذكر المساواة، وهى أن تكون المعانى بقدر اللفاظ مثل:{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}(فاطر 43) وهى وسط بين الإيجاز والإطناب فى علم المعانى، ويجعلها مثل قدامة ضربا من البديع. ويذكر المطابقة أو الطباق عن ابن تالمعتز. ويقول إن قدامة سمى به نوعا من الجناس الكامل ويتاثر بقدامة فى حديثه عن الإشارة والمبالغة والغلو وافيغال والتوشيح وصحة التقسيم وصحة التفسير والترصيع والمضارعة، ومضى وراء قدامة وابن المعتز يذكر ألوانا أخرى من البديع،ويعقب عليها جميعا بقوله (قدَّر مقدرون) أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التى ذكرناها وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه، وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود عليها والتصنع لها ثم يقول: (إنه لا سبيل إلى معرفة  إعجاز القرآن من البديع الذى ادعوه فى الشعر ووصفوه فيه، وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدرب والتصنع له. أما شأن نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه، ولا إمام يقتدى به ولا يصح وقوع مثله اتفاقا) .

      كان الجاحظ أول من ذكر أن القرآن معجز بنظمه، وألف فى ذلك كتابا سماه "نظم القرآن" غير أنه سقط من يد الزمن. وفى القرآن يقول بالجزء الرابع من كتابه الحيوان: (فى كتابنا المنزَّل الذى يدلنا على أنه صدق نظمُه البديع الذى لا يقدر على مثله العباد) ويقصد بنظمه أسلوبه البديع من حيث بلاغته وتأثيره فى النفوس والأفئدة. وكان الرسول إذا تلاه على سامعيه بدت عليهم روعة شديدة، سواء اكانوا من أنصاره المسلمين أم من أعدائه الكافرين مثل الوليد بن المغيرة الذى كان من ألد خصومه فقد سمع الرسول يتلوه ذات يوم، وعاد إلى قريش فقال لهم: لقد سمعت من مُحَمّد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن أى الذى يردده عنهم الكهان، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق أى كثير المياه والرونق. والوليد شعر بوضوح حين سمع القرآن أنه نمط وحده إذ تتوالى آياته بفواصل تطمئن عندها النفس وتشعر بأنس، ويقول الله تقدس اسمه فيها:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }(الإسراء88)وهو تحدّ إلهى بان القرآن معجز فى أسلوبه ونظمه ولا يمكن للبشر أن ياتوا بمعجزة فى البيان والبلاغة مماثلة له. ويكفى أن تقارن بين بعض آياته وبين معلقة جاهلية مثل معلقة لبيد أو بينه وبين شعر قبيلة مثل هذيل لنعرف أنه نزل على الرسول فى أساليب لا سابقة لها من الجذالة والعذوبة. وأساليبه دائما من السهل الممتنع الذى يمتع الآذان حين تستمع له، والأفواه حين تنطق به، والقلوب حين تصغى إليه. وقد استطاعت أساليبه أن تبهر العرب وتجذبهم إليه، كما استطاعت أن تفتح قلوب الناس وعقولهم حين فتح العرب الأمصار الإسلامية من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلنطى، فإذا هم يهجرون لغاتهم المختلفة إلى لغته الصافية الشفافة، وتصبح لغة عامة للناس فى غرب آسيا وشمال أفريقيا وتصعد للناس فى أوربا بديار الأندلس .

ونمضى بعد الجاحظ فنلتقى فى القرن الرابع الهجرى بعلى بن عيسى الرمانى المتوفى 384هـ وهو أحد أعلام المعتزلة فى عصره، وله مصنفات كثيرة فى التفسير والنحو وعلم الكلام، وله رسالة سماها: النكت فى إعجاز القرآن، استهلها برد هذه النكت إلى سبع جهات هى ترك المعارضة مع توافر الدواعى والتحدى للكافة والصَّرفة والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمة المستقبلة ونقض العادة وقياس القرآن بكل معجزة .

      وتحدث عن المجانسة وقال إنها نوعان: مزاوجة ومناسبة، والمزاوجة كقوله تعالى:{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }(آل عمران:54)إذا استخدم المكر مع الله بدلا من الجزاء، وسماها البلاغيون بعده مشاكلة. وأما المناسبة فرجوع المعانى إلى أصل واحد كقوله تعالى:{ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}إذ جانس الآية عن الانصراف بمعنى لالذهاب عن الذكر وأما قلوبهم فذهب عنها الخير .

      يقول الله فى سورة الأنعام:{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ }(الأنعام54) فهو دائم الرحمة لعباده لا يشق عليهم فى عبادة ولا فى عمل يؤدونه ودائما يحببهم فى الرحمة والرأفة والرفق وأن يشيع ذلك بينهم كما تشيع المودة والأخوة، ويعلن مرارا أن أبواب رحمته مفتوحة للمسلمين بل أيضا للعاصين المذنبين مهما تكن معصيته ومهما يكن ذنبهم كما جاء فى سورة الزمر إذ يقول جل وعز:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(الزمر53)والله يطلب بلطفه من الناس جميعا مسلمين وكافرين ألا ييأسوا من رحمته وغفرانه. ويقول الله فى سورة يونس:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} فى القرآن تحمل نصحا وإرشادا{وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} من الشرك والضلال {وَهُدًى }إلى الطريق الحق{وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ }(يونس:57). غامرة لهم، وكأن القرآن دواء ربانى يقضى قضاء مبرم على الشرك والضلال مما يجعله بحق رحمة للناس. ويقول الرسول: "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض بين الجن والإنس والبهائم والهوام من الطير والحشرات، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطفّ الوحش على ولدها. وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده  يوم القيامة .

      مما يميز الإسلام من الديانات السماوية أخذه بقانون الحرية فى الدين فلا يلزم به أحدا قهرا، بل تترك لكل إنسان حريته فيما اختار لنفسه من الدين عملا بقوله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وهو بذلك يحرم على المسلمين تحريما باتا أن يدخلوا فى الإسلام أحدا كرها أو إكراها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على  إسلام أهل مكة، فعاتبه الله على هذا الحرص قائلا: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(يونس:99) فليس من حقك إكراههم على الإسلام سواء منهم من كان نصرانيا أو يهوديا أو حتى وثنيا من أهل مكة، فدع لهم الحرية التامة فيما يعتنقون من الديانات. وتبع ذلك أن الإسلام عامل المقيمين فى دياره من غير المسلمين معاملة رفيقة، تدل على ذلك معاهدة الرسول لنصارى نجران وفيها يقول: "لنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبى رسول الله على أموالهم وأنفسهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيّعهم(كنائسهم) وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، وليس عليهم دية ولا دم جاهلية. ومن سأل منهم حقا فلهم النّصف غير ظالمين ولا مظلومين". وظلت هذه الوثيقة فى عهد الرسول تحمل قواعد التعامل للمسلمين مع أهل الكتاب وغيرهم فى جميع الأقطار شرقا وغربا،فمعابدهم تحترم ويؤدون فيها شعائرهم بحرية كاملة. ويؤدى غير المسلمين فى الأمة القادرون على حمل السلاح ضريبة دفاع سميت جزية وكانت لا تزيد سنويا عن دينار، ولم تكن تؤديها امرأة ولا صبى ولا شيخ ولا راهب، وطلب الله من المسلمين أن يعاملوا أهل الكتاب وغيرهم معاملة كريمة .

      وطلب الرسول من المسلمين ألا يتصدقوا على فقراء قريش الوثنيين أملا أن تضطرهم حاجتهم إلى الدخول فى الإسلام فنزلت عليه آية كريمة تنهاه عن ذلك فى قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ }(البقرة272) فواجب الرسول تبليغ الدعوة إلى الإسلام فحسب، أما إسلامهم فمفوض إلى الله وإلى حريتهم واختيارهم لأنفسهم، وأى شىء تنفقونه على المشركين يعود إليكم جزاؤه، والله يعلم أنكم لا تنفقون شيئا إلا لوجه الله وما تنفقوا من شىء إلا ويعود إليكم أجره. وكل ذلك وما سبق من الحرية الدينية تعاليم إسلامية حضارية عظيمة .

هى ما يخرجه المسلم من ماله أو زرعه ابتغاء مرضاة ربه، مما سوى الزكاة إما فى سبيل الله لحرب أعداء الأمة وجهادهم، وإما للمحتاجين من أفراد الشعب. ويأمر الله المتصدقين من المسلمين أن يكون ما يتصدقون به من خيار زروعهم وثمارها وخيار أموالهم المتجرين بها قائلا{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ }(البقرة267)  ويحذر المتصدق أن يتصدق بشىء من خبيث ماله أو ردىء زروعه قائلا:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}.

الصفحة 7 من 15

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة