الإعجاز في القرآن الكريم

الإعجاز في القرآن الكريم (202)

أوجهه و أسراره

مقدمة:

لقد جرت سنة الله تعالى فى إرساله للرسل أن يُجْرِىَ على أيديهم من المعجزات وأن يؤتيهم من خوارق العادات ما يؤيدهم فى نبوتهم ويُعَضِّدُهُمْ فى رسالتهم, وكانت تلك الخوارق والآيات التى يجريها الله على أيدى الرُسل قبل رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم خوارق حسية تنتهى بانتهاء زمن النبى أو الرسول الذى اجرى الله على يديه تلك المعجزة كناقة صالح قال تعالى {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {73}}(سورة الأعراف) وعصا موسى و يده قال تعالى {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ {107} وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ {108}}(سورة الاعراف).

عجز الرسول صلى الله عليه و سلم عن الإتيان ببدل للقرآن

و ذلك أن أعداء الإسلام طلبوا من النبى صلى الله عليه و سلم ان يأتى بقرآن غير هذا القرآن أو أن يبدله , فلم يفعل , و ما ذاك إلا لأن القرآن ليس كلامه صلى الله عليه وسلم, بل هو خارج عن طوقه , آت من فوقه ,ولو كان كلامه صلى الله عليه وسلم لاستطاع ان يأتى بغيره وأن يبدله حين اقترحوا عليه ذلك, وحينئذ يكتسب أنصارا إلى أنصاره , ويضم أعوانا إلى أعوانه , و يكون ذلك أروج لدعوته التى يحرص على نجاحها , لكنه صلى الله عليه وسلم أعلن عجزه عن إجابة هذه المقترحات ,وأبدى مخاوفه إنْ هو أقدم على هذا الذى سألوه,وتنصل من نسبة القرآن الكريم إليه مع أنه الفخر كل الفخر , و ألقمهم حجرا فى أفواههم بتلك الحجة التى أقامها عليهم ,  وهى أنه نشأ فيهم لا يعرف ولا يعرفون عنه ذلك الذى جاء به و هو القرآن.

الآيات التى تجرد الرسول صلى الله عليه و سلم من نسبة  القرآن الكريم إليه

   وذلك أننا نقرأ القرآن الكريم فنجد فيه آيات كثيرة , تجرد الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم من أن يكون له فيها حرف واحد أوكلمة واحدة ,وتصفه صلى الله عليه وسلم بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدرى ما الكتاب ولا الإيمان , وتمتن عليه بأن الله آتاه الكتاب والحكمة بعد أن كان بعيدا عنهما وغير مستعد لهما ,ولم يكن عنده رجاء من قَبْلُ لِأَنْ يكون مُنْهَلَّ هذا الفيض الإلهى ولا مشرق ذلك النور الربانى.

قال تعالى {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا {113}}(سورة النساء)     

 

الوجه الرابع عشر

تأثير القرآن الكريم ونجاحه

ومعنى هذا أن القرآن بلغ فى تأثيره ونجاحه مبلغا خرق به العادة فى كل ما عُرِفَ من كتب الله والناس . وخرج عن المعهود فى سنن الله من التأثير النافع بالكلام وغير الكلام . وبيان ذلك أن الإصلاح العام الذى جاء به القرآن الكريم والانقلاب العالمى الذى تركه هذا الكتاب , ما حدث ولم يكن ليحدث فى أى عهد من عهود التاريخ قديمه وحديثه إلا على أساس من الإيمان العميق القائم على وجدان قوى, بحيث يكون له من السلطان القاهر على النفوس , والحكم النافذ على العواطف والميول , ما يصد الناس عن نهجهم الأول فى عقائدهم التى توارثوها , وعبادتهم التى ألفوها , وأخلاقهم التى نشأوا عليها , وعاداتهم التى امتزجت بدمائهم , وما يحملهم على اعتناق هذا الدين الجديد الذى هدم تلك الموروثات فيهم , و حارب تلك الاوضاع المألوفة لديهم.

ثانيا تأثير القرآن الكريم فى نفوس أوليائه

تلك مظاهر لفعل القرآن بنفوس شانئيه, فهل تدرى ماذا فعل بهم بعد أن دانوا له و آمنوا به وأصبحوا من تابعيه ومحبيه ؟ لعلك لم تنس ما فعل القرآن بعمر وسعد وأسيد الذين نوهنا بهم بين يديك . لقد أصبحوا من خيرة جنود الإسلام ودعاته من يوم أسلموا , بل من ساعة أسلموا , وهناك مظاهر أربعة توضح لنا أثر القرآن الكريم فى نفوس أوليائه:

(المظهر الأول) تنافسهم فى حفظه وقراءته فى الصلاة وفى غير الصلاة , حتى لقد طاب لهم أن يهجروا لذيذ منامهم من أجل تهجدهم به فى الأسحار ,و مناجاتهم العزيز الغفار . وما كان هذا حالا نادرا فيهم , بل ورد ان المارَّ على بيوت الصحابة كان يسمع لها دويا كدوى النحل بالقرآن ! و كان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم للقرآن ! و كانت المرآة ترضى بل تغتبط أن يكون مهرها سورة يُعَلِّمُهَا إياها زوجها من القرآن ؟

 تأثير القرآن الكريم فى نفوس أعدائه

أما أعداؤه المشركون , فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته فى مظاهر كثيرة , نذكر بعضها على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

(المظهر الأول) أن هؤلاء المشركين مع حربهم للقرآن , ونفورهم مما جاء به كانوا يخرجون فى جنح الليل يستمعون إليه والمسلمون يرتلونه فى بيوتهم ,فهل ذاك إلا لأنه استولى على مشاعرهم , ولكن أبى عليهم عنادهم وكبرهم وكراهيتهم للحق أن يؤمنوا به وصدق الله إذ يقول{بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ {70}}(سورة المؤمنون)

(المظهر الثانى) أن أئمة الكفر منهم كانوا يجتهدون فى صَدِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءته فى المسجد الحرام وفى مجامع العرب وأسواقهم , وكذلك كانوا يمنعون المسلمين من إظهاره

الصفحة 15 من 15

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة