×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

الإعجاز في القرآن الكريم

الإعجاز في القرآن الكريم (131)

مهمة القاضى أن يحكم بين الناس بالحق، ويفصل فى نزاعاتهم بالعدل،ولكن القاضى كغيره من البشر معرض للصواب والخطأ، والسؤال الذى أحاول الإجابة عليه فى هذا المطلب هو ما حكم ما لو أصدر القاضى حكماً مخالفاً للصواب ومعارضاً للحق، فما هى حدود مسؤولية القاضى عن هذا الحكم؟ والإجابة عن هذا السؤال تكون بحسب مدى تعمد القاضى أن يخالف الحق من عدمه، إذ قد يكون القاضى متعمداً الحكم بالباطل، أو أخطأ الحق رغم سعيه الوصول إليه، فحكم بغيره، ولذلك فللقاضى هنا حالتان .

وجه الدلالة: الأثر نص فى أن القاضى لو حكم على إنسان ظلماً بقطع يده، ونفذ هذا الحكم، فيجب عليه القصاص،فيجب عليه القصاص أيضا إن حكم عليه بالقتل ظلماً، وألأثر دليل على عدم اعتبار المباشرة لوجوب القصاص إذ أن المعلوم أن الولاة لا يباشرون القتل والقطع، إنما يأمرون به والصديق رضى الله عنه رأى على الوالى القصاص إن كان ظالماً لهذا المدعي[1].

 

ثانياً: القياس

1-بأن القاضى قد توصل إلى قتل المظلوم بما يغلب على الظن حصول القتل به فى الغالب، فوجب عليه القصاص قياساص على وجوبه بالقتل المباشر .

2- يجب على القاضى القصاص وإن لم يباشر القتل بنفسه قياساً على وجوبه على المكرِه[2].

 

الرأى الراجح

بعد العرض السابق لآراء الفقهاء فى هذه المسألة وبيان أدلتهم ومناقشة ما أمكن مناقشته فإن الرأى الذى اختاره فيها هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من وجوب القصاص على القاضى إذا حكم على إنسان بالقصاص أو الرجم ظلماً،وهذا لقوة أدلتهم من المعارضة وضعف أدلة الآخرين .

وأما إن كان حكم القاضى بالباطل فى الحقوق كالنكاح والطلاق والبيوع ونحوها، وكان قضاؤه فيها خطأ،فقد اتفق الفقهاء على وجوب نقض هذا الحكم لعدم المستند[1]الذى يجب أن يستند الحكم إليه لإصداره، ولأنه تبين أن قضاءه كان باطلاً،وهو أمر شرعى يحتمل الرد فيجب رده[2].

وأما إن كان حكم القاضى بالباطل فى الإتلافات كالحدود والقصاص،كوان قضاؤه فيها خطأ، فإن كان الخطأ من القاضى بان تبين أن الشهود غير مقبولي الشهادة،كمثل ما لو شهد اثنان على آخر بالقتل أو السرقة أو شهد أربعة عليه بالنا، ثم تبين بعد ذلك أن أحد الشهود غير مسلم أو عبداً أو مجلوداً فى حد قذف وهم مع ذلك لم يرجعوا عن شهادتهم، وإنما هم ثابتون عليها، فقد ذهب الحنفية إلى التفريق بين ما كان حقاً لله تعالى أو حقاً للعبد، فقالوا بأن الحد لو كان حقاً لله تعالى كأن رجم للزنى أو قطع للسرقة ثم ظهر ان الشهود غير صالحين لها، كان ضمان ذلك فى بيت المال، فتدفع دية ذلك منه، وأما إن كان الحق للعبد كأن قتل إنسانا قصاصا ثم تبين عدم صلاحية الشهود كان ضمان المقتول بسبب الحكم فى مال المقضي له – ولي أمر المقتول الأول -[3].

بينما ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الإتلافات جميعها سواء كانت حقا لله تعالى أو حقا للعبد،لا تجب فى مال المقضي له وذلك أن المقضي عليه لم يقر بأنه ارتكب ما يوجب الضمان وإنما يقولك استوفيت حقى، وأيضاً لا يجب الضمان على الشاهديننلأنهما مقيمان على أنهما صادقان فى الشهادة، وإنما الشرع منع من قبول شهادتهما،فلم يلزمهم ضمان، بخلاف ما إذارجعا عن الشهادة، فيجب عليهم الضمان،لأنهما اعترفا بالكذب[4].

وإنما يجب الضمان على القاضى لأنه مفرط،لأنه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بشهادتهنولكن لا يجب عليه القصاصنلأنه مخطىء،وإنما تجب الديةنوهذا الرأى راجحن لأن المقضي له لم يجن شيئاً حتى نلزمه بالضمان، وإنما الخطأ خطأ القاضى، فيلزمه ضمانه .

 

نشر مصطفى صادق الرافعى كتابا فى إعجاز القرآن، استهله بموضوعات عن القرآن ووصف وتاريخ جمعه وقراءاته ووجوهها ومفرداته وتأثيره فى اللغة وآدابها وشريعته وقوته الروحية والاجتماعية وقيامه على المساواة والتقوى والفضيلة. ويذكر عناية القراء بضبط لغاته وتحرير كلماته، وعناية النحاة بالمعرب منه والمبنى والأسماء والأفعال والمفعولات، وعناية المفسرين بتفسير ألفاظه، والأصوليين ببيان أصول الدين منه، والفقهاء بالفقه وأحكامه، والمؤرخين بقصص القرون السالفة والأمم السابقة والخطباء والوعاظ بما فيه من الحكم والأمثال والمعاد والحساب والعقاب والفلكيين بعلم المواقيت، والكتاب والشعراء بما فيه من علوم المعانى والبيان والبديع. وحديث الرافعى عن هذه العلوم المستنبطة من القرآن فى عصره قبل حديثه فى الكتاب عن إعجاز القرآن الكريم وفصوله دلالة واضحة على أنه لم يكن يقول بإعجاز القرآن العلمى الذى مرّ بنا حديث مفصل عنه، وهو أيضا لم يقل بإعجاز إنبائه بالغيب وإخباره بقصص الرسل وأقوامهم السابقين مما عرضناه فى الصحف السابقة ,

 

ويكتب الرافعى بحثا عن مؤلفات الأسلاف فى الإعجاز،ويبدؤه بكتاب نظم القرآن للجاحظ قائلا: (لما فشت مقالة بعض المعتزلة بأن فصاحة القرآن غير معجزة، وخيف أن يلتبس ذلك على العامة بالتقليد وعلى الحشوة من أهل الكلام الذين لا رسوخ لهم فى اللغة ولا سليقة لهم فى الفصاحة ولا عرق لهم فى البيان مسّت الحاجة إلى بسط القول فى فنون من فصاحته ونظمه ووجه تأليف الكلام فيه فصنف أديبنا الجاحظ المتوفى سنة255هـ كتابه نظم القرآن. يقول الرافعى وقد غض منه الباقلانى بقوله إنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس فى أكثر هذا المعنى (أى الإبانة عن وجه المعجزة). وكان ينبغى على الباقلانى أن يعترف بفضل الجاخظ فى أول من قال إن إعجاز القرآن يعود إلى نظمه الرائع، مما أدى عبدالقاهر الجرجانى للتصدى إلى تفسير رأى الجاحظ فى القرن الخامس للهجرة واكتشافه من خلاله لأول مرة علم المعانى المعروف بين علوم البلاغة. ويعود الرافعى إلى الحديث عن محمد بن زيد والرمانى وينوه بكتاب إعجاز القرآن للباقلانى وسبق تحليلنا له، ويذكر كتاب البديع فى القرآن لابن أبى الإصبع المتوفى654هـ وظن أنه فى الإعجاز القرآنى، وليس فيه، ويذكر كتابا فى الإعجاز لابن سراقة من حيث الأعداد، ويقول إنه يحصى فيه ألوفا من آيات القرآن وهو إنما ذكر فيه الإعجاز العلمى للقرآن من حيث علم العدد أخذا من آية سورة يونس:{وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ }(يونس6) وسماه غير ابن سراقة علم المواقيت أخذا من قوله تعالى فى سورة البقرة{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}(البقرة:189) .

 

ويتحدث الرافعى عن أسلوب القرىن ويقول إنه جمع كمال الفطرة الفنية فى طرق نظمه ووجوه تركيبه ونسق حروفه فى كلماته وكلماته فى جملها ونسق الجمل مما جعل العرب يشعرون أنه جنس من الكلام يختلف عن كلامهم فى روح الفطرة اللغوية فيهم. وهذا هو معنى العجز عن معارضته ومعنى الإعجاز، ولذلك انقطعوا عن معارضته، مع تحديه لهم طوال أكثر من عشرين سنة، لما تميز به من كمال الفطرة اللغوية، وما هو إلا ان يشعر بها من قرأ آيات منه، حتى يقع فى نفسه معنى إعجازه، لأنه أمر يبين عن نفسه بنفسه، كالصوت المطرب البالغ فى التطريب حدّاً، لا يحتاج شخص فى معرفته وتمييزه إلى أكثر من سماعه. ويخلص من كلامه فى بيان القرآن وإعجازه إلى أنه ينفرد باسلوبه الإلهى، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوبا من أساليب العرب ومن جاء بعدهم إلى هذا العهد، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، ولذلك أفحموا وانقطعوا عن معارضته، لأنهم رأوا جنسا من الكلام سوى ما تؤديهم إليه طباعهم الإنسانية. وينوه بما فى القرآن من سهولة تسيل بعذوبتها الآيات بينما يشيع فيها الابتذال عند الأدباء، ويقول إنها سهولة إلهية ولا دليل على روعتها سوى الحسّ .

 

ويذكر الرافعى أن القرآن يستخدم كلمات لا يمكن أن يصلح سواها فى موضعها: من ذلك كلمة ضِيَزى فى سورة النجم. فقد جاءت فى قوله تعالى {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى}(النجم21، 22). وكان العرب يزعمون أن الملائكة بنات الله والذكور أولادهم، فقال الله إنها قسمة جائزة بينهم وبين ربهم، واختار كلمة "ضيزى" لهذا الموضع للدلالة على شدة إنكاره بغرابتها اللفظية. وهو موضع جدير بأن يدرس فى استخدامات القرآن للكامت تعبيرا عن الإنكار الشديد، ومثلها كلمة كِذَّابا فى سورة النبأ تعبيرا عن كذب الطاعنين وما يستحقون من العذاب الأليم فى قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا}(النبأ21 -29) .

 

وضع عبدالقادر كتابه دلائل الإعجاز فى تفسير إعجاز القرآن بالنظم ومضى فى أوائله وفى مواضع كثيرة من الكتاب ينكر أن يكون الإعجاز بفصاحة اللفظ أو فصاحة المعنى كما قال الجبائى، وقد أنكر ذلك القاضى عبدالجبار قبله وقال غن مردها إلى الأداء والصياغة النحوية للتعبير والتقديم والتأخير كما أسلفنا، ولم يشر عبدالقادر إلى ذلك فى الكتاب البتة، مع انه استمده من هذه النظرية لعبدالجبار، وقد ألهمه تفسيره النظم، بأن مرجع الإعجاز فى القرآن إلى تراكيب الكلام وصياغته النحوية وخصائصه التعبيرية،وهو لا يعترف لعبدالجبار بأنه سبقه إلى تقرير هذا الأصل، وحقا إنه لم يفصل القول فيه وكأنما ترك ذلك لعبدالقاهر، ويكفيه ذلك فضلا له، إذ استحال تفصيل القول فيه عند عبدالقاهر إلى وضعه علم المعانى: العلم الثالث بين علوم البلاغة .

(اعلم أن النظم) مدار الإعجاز ليس إلا أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه واصوله ومناهجه التى نهجت فلا تزيغ عنها وتحفظ الرسومن التى رسمت لك فلا تخل بشىء منها). ويضرب مثلا لذلك أن تنظر فى الخبر إلى الوجوه التى تراها فى قولك: زيد منطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق. وفى الشرط والجزاء إلى الوجوه التى تراها فى قولك: إن تخرج أخرج، وإن خرجت خرجت، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج إن خرجت، وأنا إن خرجت خارجن وفى الحال لإلى الوجوه التى تراها فى قولك جاءنى زيد مسرعا، وجاءنى يسرع وجاءنى وهو مسرع، أو هو يسرع، وجاءنى قد اسرع، وجاءنى وقد اسرع. فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجىء به حيث ينبغى له. وينظر فى الحروف التى تشترك فى معنى، ثم ينفرد كل منها بخصوصية فى ذلك المعنى ، فيضع كل حرف من ذلك فى خاص معناه، نحو أن يجىء (بما) فى نفى الحال، (وبلا) إذا أراد نفى الاستقبال، ويجىء (بإن) فيما يترجّح بين أن يكون وأن لا يكون،(وبإذا) فما عُلم أنه كائن(أى على وجه اليقين). وينظر فى الجمل التى تُسْرَد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل. ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع (الواو) من موضع(الفاء)، موضع(الفاء) من موضع(ثم)، وموضع(أو) من موضع(أم) وموضع(لكن) من موضع(بل). ويتصرف فى التعريف والتنكير والتقديم والتأخير فى الكلام كله، وفى الحذف، والتكرار والإضمار والإظهار. فيضع كلا من ذلك فى مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغى له. وقال عبدالقاهر إنه لابد فى الكلام من مسند ومسند إليه .

 

والنفى مثل الاستفهام بالهمزة فى دقة المعانى الاضافية فإنك إذا قلت: (ما فعلت ذلك) كنت قد نفيت عنك فعلا لم يثبت انه مفعول، وإذا قلت: (ما أنا فعلت ذلك) كنت قد نفيت عنك وحدك فعلا ثبت أنه مفعول. وقال إنه لا يصح لقائل أن يقول: (ما أنا قلت هذا ولا قاله أحد من الناس، فإن الجزء الآول من العبارة يثبت أن قولا قيل وأن المتكلم لم يقله بينما الجزء الثانى ينفى أن يكون هذا القول قد قيل البتة، وفى ذلك تناقض. وقال لا يصح لك أن تقول: (ما أنا ضربت إلا زيدا، لأن التقديم  المسند إليه يقتضى نفى الضرب عنك، ونقض النفى بإلا يقتضى أنك ضربت زيدا وفى ذلك أيضا تناقض. وصورة ثالثة مردودة هى ان تقول: (ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس، لأن الجزء الأول من التعبير يقتضى أن ضربا حدث منك غير أنه لم يقع على زيد، وبقية التعبير يقتضى أنك لم تضرب أحدا مطلقا. وصورة رابعة مردودا أيضان وهى أنك لا تستطيع أن تقول: (ما زيدا ضربت ولكن أكرمته) لأن صدر العبارة تثبت فيه الفعل وتنفى تعلقه بزيد، وبقية العبارة تشعر بأنك نفيت الفعل الأول وأثبت الفعل الثانى، والعبارة الصحيحة أن تقول: (ما ضربت زيدا ولكن أكرمته) .

الصفحة 1 من 10

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة