مواقف مشاهير العرب

مواقف مشاهير العرب (24)

كان لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – غلام؛ و كان خازناً لبيت المال، و كان لعمر بنات، فجِئْن إليه، و قلن له: غداً العيد، و نساء الرعية و بناتهم يلُمْننا و يقلن: أنتنّ بنات أمير المؤمنين، و نراكن عريانات، لا أقلّ من ثياب بيضاء تلبسنها، و بكيْن عنده، فضاق صدر عمر، و دعا غلامه الخازن، و قال له: اعطني مشاهرتي لشهر واحد، فقال الخازن يا أمير المؤمنين، تأخذ المشاهرة من بيت المال سلفاً؟ أتظن أن لك عمر شهر؟ فأطرق عمر، ثم رفع رأسه، و قال: نِعْم ما قلت أيها الغلام، بارك الله فيك، ثم التفت إلى بناته و قال: اكظِمْنَ شهواتكنّ، فإن الجنة لا يدخلها أحد إلا بمشقة. لا يدخلها إلا الصابرات الراضيات الذاكرات لله.

و في موقف آخر طلب عنبسة ذات يوم منه مالاً.

ليس هذا بعجيب من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؛ و هو العف الزاهد القنوع، لم تمتد يده إلي مالم يكن له من بيت المال، و لو أراده لكان له ما يريد، و لكنه آثر آخرته على دنياه، و أخراه على أولاه.

د/نور مكاوي

قال الأصمعي:

قصدت في بعض الأيام رجلاً كنت أجئ إليه لكرمه، فوجدت على بابه بواباً، فمنعني من الدخول إليه، ثم قال: و الله يا أَصْمَعيّ؛ ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك، إلا لرقة حاله، و قصور يده، فكتبت رقعة فيها:

إذا كان الكريم له حجاب

                                     فما فضل الكريم على اللئيم؟

ثم قلت له: أوصل رقعتي إليه؛ ففعل و عاد بالرقعة، و قد وقع على ظهرها:

إذ كان الكريم قليل مال

                                     تحجب بالحجاب عن الغريم

و مع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار.

نزل رجل ضيفاً على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فأرسل إلى إحدى زوجاته، هل عندك طعام؟ فقالت: و الذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت: و الذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى سائرهن، فقلن جميعاً: و الذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ماء. ثم قال لأصحابه من يستضيف هذا الرجل؟ فقام رجل من الأنصار و قال: أنا أضيفه يا رسول الله، فأخذ بيده إلى داره، و قال لزوجته: أكرمي ضيف رسول الله، فقالت: و هل عندنا إلا ما يكفي أولادنا، فقال لها: أنيميهم و نطوي بطوننا الليلة، فإذا أعددت الطعام فأطفئي السراج، ثم وضع الطعام أمام الرجل، فجعل يأكل حتى شبع، و بات الأنصاري و زوجته طاويين، و لما أصبح الصباح ذهب الرجل إلى الرسول، قال له رسول الله: لقد عجب الله من صنعك فأنزل الله قوله : { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. (الحشر: 9)

قال عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- و هو حبر الأمة "كتب قيصر الروم إلى معاوية بن أبي سفيان"- رضي الله عنه- سلام عليك.

أما بعد: فأنبئني عن الشئ و لا شئ، و عن دين لا يقبل الله غيره، و عن مفتاح الصلاة، و عن غرس الجنة، و عن صلاة كل شئ، و عن أربعة فيهم الروح و لم يركضوا في أصلاب الرجال و أرحام النساء، و عن رجل لا أب له، و عن رجل لا أم له، و عن قبر جرى بصاحبه، و عن قوس قزح ما هو، و عن بقعة من الأرض طلعت عليها الشمس مرة واحدة و لم تطلع عليها قبلها و لا بعدها، و عن ظاعن ظعن مرة واحدة و لم يظعن قبلها و لا بعدها، و عن شجرة نبتت بغير ماء، و عن شئ تنفس و لا روح له، و عن اليوم و أمس و غد و بعد غد، و عن البرق و الرعد و صوته، و عن المحو الذي في القمر.

فلما قرأ معاوية كتابه قال: اللهم العنه! ما أدرى ما هذا! فأرسل إلى يسألني- يعني عبد الله بن عباس- فقلت:

أما الشئ: فالماء قال تعالى {و جعلنا من الماء كل شئ حي}.

خطيب رسول الله و الاسلام: فهو الخطيب المفوه - و هو القاتل الشجاع عندما رأى بعض المسلمين ترافى قال "و الله ما كنا نقاتل هكذا مع الرسول" في موقعة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب - فذهب غير بعيد و لبس أكفان - و انضم إليه سالم مولى الرسول و كان يحمل راية المهاجرين - و حفرا لأنفسهما حفرة عميقة ثم نزلا فيها قائمين و أهالا التراب عليهما حتى غطت وسط كل منهما.

 

حكي عن القاضي يحي بن أكثم قال: "كنت نائماً ذات ليلة عند المأمون فعطش، فامتنع أن يصيح بغلام يسقيه و أنا نائم فينغص علي نومي، فرأيته و قد قام يمشي على أطراف أصابعه، حتى أتى موضع الماء و بينه و بين المكان الذي فيه الكيزان نحو ثلثمائة خطوة، فأخذ منها كوزاً فشرب، ثم رجع على أطراف أصابعه، حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه، فخطا خطوات خفيفة كيلا ينبهني، حتى صار إلى فراشه".

"ثم رأيته آخر الليل و قد قام لقضاء الحاجة، و كان يقوم في أول الليل و آخره، و لما أتى الفجر قعد طويلاً، منتظراً أن أتحرك فيصيح بالغلام، فلما تحركت وثب قائماً و صاح: "يا غلام" و تأهب للصلاة و صلى، ثم جاءني فقال لي: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ و كيف كان مبيتك؟ قلت: خير مبيت، جعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين! قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء، و حبب إليك سيرتهم، فهنأك الله تعالى بهذة النفحة و أتمها عليك".

افتقد علي بن أبي طالب درعا له كانت غالية عليه، و بعد مدة وجدها في يد رجل يهودي يبيعها في سوق الكوفة. فلما رآها عرفها فقال الإمام علي: هذة درعي ضاعت مني في مكان كذا و كذا، فقال اليهودي: بل هي درعي و في يدي. قال علي: هذه درعي لم أبعها لأحد. فقال اليهودي: بيني و بينك قاضي المسلمين. فذهب إلى القاضي شرع فقال القاضي للإمام علي: ما قولك يا أمير المؤمنين. قال: لقد وجدت درعي مع هذا الرجل و قد سقطت مني في ليلة كذا و في مكان كذا.

ثم قال القاضي: و ما تقول أيها الرجل. فقال: الدرع درعي و هي في يدي. فقال القاضي: هل عندك شهود يا علي؟ قال: نعم مولاي قنبر، و ابني الحسن يشهدان لي. فقال القاضي شريح: شهادة الإبن لأبيه لا تجوز. فقال الإمام علي: سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ قال القاضي: شهادة الإبن لأبيه لا تجوز. عند ذلك التفت الإمام علي لليهودي و قال: خذها، فليس لي شاهد غيرهما. فقال اليهودي: أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه، و قاضيه يعطيني الحق. أشهد يا أمير المؤمنين أن هذا الدرع درعك، و أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا العدل إنه لحق. و أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله. فقال الإمام علي: فإني قد وهبتها لك، و وهبت لك معها هذا الفرس، و نفقتك من بيت مال المسلمين.

د/نور مكاوي

قال الحارث بن عوف يوماً لخارجة بن سنان المرى: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ فقال له: نعم. قال و من ذاك؟ قال: أوس بن حارثة الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا ففعل، وركبا حتى أتيا أوس بن حارثة في بلاده، فوجداه في فناء منزله، فلما رأى الحارث بن عوف قال: مرحباً بك يا حارث. قال: و بك. قال: ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطباً، قال لست هناك!

فانصرف و لم يكلمه. و دخل "أوس" على امرأته مغضباً - و كانت من عبس - فقالت: من رجل وقف عليك فلم يطل و لم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف، قالت: فمالك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق. قالت: و كيف؟ قال: جاءني خاطباً. قالت: أفتريد أن تزوج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب! فمن؟ قال: قد كان ذلك! قالت: فتدارك ما كان منك، قال: بماذا؟ قالت: تلحقه فترده، قال: و كيف و قد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول له: لقيتني مغضباً بأمر لم تقدم فيه قولاً، فلم يكن عندي فيه الجواب إلا ما سمعت! عد و لك عندي كل ما أحببت، فإنه سيفعل. فركب في أثرهما.

يحكى أن امرأ القيس الكندي، لما أراد أن يؤم قيصر الروم أودع عند السموءل بن عاديا دروعاً و سلاحاً تساوي جزءاً كبيرا من المال، جعلها لدرء النوائب و العاديات؛ إذ أنه وجدها عبئاً ثقيلاً في سفره، فلما مات امرؤ القيس أرسل ملك كندة إلى السموءل يطلبه، فلما أتى بين يديه قال له: ائتني بما أودعك امرؤ القيس؛ فقد أنبأني الثقات أولو الرأي: أن ما أودعه عندك له قيمة، و أؤمل منك أن تعطينيه. فقال السموءل: نعم، عندي ما ائتمنني عليه امرؤ القيس و لكنني أدفعها إلى من يستحقها لا الملك؛ لأني لا أغدر بوعدي، و لا أخون أمانتي، و للوفاء بالعهد خير من الدنيا و ما فيها، و كيف أعطيك ما اؤتمنت عليه؟! و لتعلم أيها الملك أنها في مأوى حصين. فلما علم الملك من كلامه أنه لن يؤديها إليه هدده بأسر ابنه قائلاً: لئن لم تسلم فيما أطلبه لأذبحن ولدك، فلم يسلم إليه شيئاً، فأمر الملك بذبح ولده و هو بمرأى منه ينظر إليه، و لم يتحول عن الوفاء بعهده، و لهذا ضرب به المثل، فقيل: (أوفى من السموءل).

د/نور مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

باسمك اللهم أبدأ، وبك أستعين، وعليك أتوكل، وبحمدك أستزيد، وأستمد منك وحدك نعمة التوفيق، وعلى نبيك المصطفى أصلي وأسلم ألف صلاة وسلام. وبعد..

فمما لا شك فيه أن القراءة طريق المعرفة، وأن الإنسان العاقل يجب أن يكون له منها حظ ونصيب، ومدد دائم لا ينقطع لكي يستفيد من العلوم والمعارف التي تركها لنا الأوائل.

إن خير الناس من يعمل دائماً على أن يزداد علماً يتجدد بالقراءة النافعة والاطلاع المفيد مع مطلع فجر كل يوم جديد. ليهنأ بيومه، ويسعد بوقته.

ولله در القائل:

إذا مرَّ بي يوم ولم أدخر يدا          ولم أستفد علماً فما ذاك من عمري

 

الصفحة 2 من 2

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة