مواقف مشاهير العرب

مواقف مشاهير العرب (18)

 تنازع إبراهيم بن المهدى عم المأمون، وابن بختيشوع الطبيب، بين يدى القاضى أحمد بن أبى دؤاد فى مجلس الحكم، فى عقار

بناحية السواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له فأحفظ ذلك ابن أبى دؤاد فقال: يا إبراهيم إذا نازعك فى مجلس الحكم بحضرتنا امرؤ،

فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا، ولا أَشرت بيد، وليكن قصدك أمماً، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا. ووف مجالس الحكومة

حقوقها من التعظيم والتوقير، والاستكانة والتوجه إلى الواجب، فإن ذلك أشكل بك، وأَشمل لمذهبك فى محتدك، وعظيم خطرك،

ولا تعجلن، فرب عجلة تهب ريثا، والله يعصمك من خطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل.

لما قتل الأمين كتبت أمه السيدة زبيدة إلى المأمون تستعطفه:

"كل ذنب يا أمير المؤمنين و إن عظم صغير في جنب عطفك، و كل إسائة و إن جلت يسيرة لدى حلمك و صفحك، و ذلك الذي

عودك الله، أطال مدتك، و تمم نعمتك، و أدام بك الخير، و دفع بك الشر. و بعد: فهذه رقعة الولْهَى، التي ترجوك في الحياة لنوائب

الدهر، و في الممات لجزيل الذكر، فإن رأيت أن ترحم ضعفي و استكانتي، و قلة حيلتي، و أن تصل رحمي، و تحتسب ذلك فيما

جعلك الله له طالباً، و فيه راغباً فافعل... و تذكر من لو كان حياً لكان شفيعي إليك".

أراد محمد بن سليمان، أمير البصرة في أوائل حكم بني العباس، أن يميز أحد ابنيه بوصية يوصي بها في ماله، و قبل أن يفعل،

بعث بكتاب منه إلى حماد بن سلمة، يستقدمه إليه بدار الإمارة يستفتيه.

و يروى مقاتل بن سليمان، ما كان بين الأمير و الفقيه فيقول: دخلت علي حماد بن سلمة، فإذا ليس في البيت إلا حصيرة، ومطهرة

يتوضأ منها، و جراب فيه علمه، و هو جالس، و في يده

مصحف يقرأ فيه، فبينما أنا جالس دق الباب، فقال: يا حبيبة، اخرجي فانظري من هذا؟ فخرجت و عادت فقالت: رسول محمد

بن سليمان إلى حماد بن سلمة، فأذن له فدخل، و دفع إليه بكتاب من محمد بن سليمان، قال فيه: أما بعد، فصبحك الله بما صبح به

اولياءه، و أهل طاعته، وقعت مسألة، فأتنا نسألك عنها، و السلام.

شكا يهودي علي ابن أبي طالب رضي الله عنه للإمام العادل عمر بن الخطاب، فقال عمر: قم يا أبالحسن فاجلس بجوار خصمك – فجلس عليّ بجوار خصمه و ظهر على وجهه علامة التأثر – فلما فصل عمر في القضية قال لعليّ: أكرهت يا عليّ أن تساوي خصمك "يعني أَغضبتَ عندما قلت لك اجلس بجوار خصمك" فقال الإمام عليُّ: لا – و الله – لكني تألمت لأنك ناديتني بكنيتي فلم تسوِّ بيننا – و الكنية للتعظيم – فخشيت أن يظن اليهودي أن العدل ضاع بين المسلمين...

و انظر إلى الإمام العادل خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز الذي توفى سنة 101 بحلوان، طلب منه صديقه المقرب إليه و هو: "عنبسة بن سعيد" ذات يوم حاجة لنفسه فاسمع ماذا قال عمر؟ قال له: يا عنبسة إن يكن مالك الذي عندك حلال فهو كافيك و إن يكن حراماً فلا تضيفن اليه حراماً. و اتقي الله.

أخبرني يا صديقي: أمحتاج أنت؟ أفقير؟ قال: لا. قال: أفعليك دين؟ قال: لا. قال: فكيف أعطيك من مال المسلمين و أدع فقراء المسلمين؟ يا عنبسة: إن الأكباد الجائعة أولى بالصدقات من بيت الله الحرام.

يا عنبسة: اتق الله و انظر من أين جمعت المال؟

يا عنبسة: حاسب نفسك قبل أن يحاسبك الله أسرع الحاسبين.

ذكر الجاحظ أن هناك أماً هجرها زوجها حين ولدت له أنثى و أقام عند جارتها، و لعلها ضرة لها فرأته فقالت:   

مــــا لأبي حمزة لا يأتينا

يظل في البيت الذي يلينا

غضبان أن لا نلــــد البنينا

تالله ما ذلك فـــــي أيدينا

و إنما نأخـــــــذ ما أعطينا

بأمـــــــر الله رب العالمين

لما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين قائلاً: عافانا الله و إياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله، و يرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً و قد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه و علمك من سنة نبيه. و ليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه و تعالى: "لتبيننه للناس و لا تكتمونه" و اعلم أن أيسر ما ارتكبت و أخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم، و سهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤدي حقاً و لم يترك باطلاً حين أدناك، اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، و جسراً يعبرون عليك إلى بلائهم، و سلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم. يدخلون الشك بك على العلماء، و يقتادون بك قلوب الجهلاء. فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك. و ما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك. فما يؤمنك أن تكون ممن قال فيهم الله: "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً" فإنك تعامل من لا يجهل و يحفظ عليك من لا يغفل. فَدَاوِ دينك فقد دخله سقم، و هيِّيْ زادك فقد حضر السفر البعيد. و ما يخفى على الله من شئ في الأرض و لا في السماء. و السلام.

 

قال مالك بن دينار، رضي الله عنه: خرجت إلى الحج، و حينما أنا سائر في البادية، إذ رأيت غرابا في فمه رغيف، فقلت: هذا غراب يطير و في فمه رغيف، إن له لشأنا، فتبعته حتى نزل عند غار، فذهبت إليه، فإذا بي أرى رجلاً مشدوداً لا يستطع فكاكاً، و الرغيف بين يديه، فقلت للرجل: من تكون؟ و من أي البلاد أنت؟ فقال: أنا من الحجاج، أخذ اللصوص مالي و متاعي، و شدوني و ألقوني في هذا الموضع كما ترى، فصبرت على الجوع أياماً ثم توجهت إلى ربي بقلبي، و قلت: يا من قال في كتابه العزيز: { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} فأنا مضطر فارحمني، فأرسل الله إلى هذا الغراب بطعامي.

قال مالك: فحللته من الوثاق، ثم مضينا فعطشنا و ليس معنا ماء، فنظرنا في البادية فرأينا بئراً عليه ظباء، فدنونا منه فنفرت الظباء، و أقامت غير بعيد، فلما وصلنا إلى البئر كان الماء في قعره، فاحتلنا حتى استقينا و شربنا، و عزمت ألا نبرح حتى نسقي الظباء، فحفرت و صاحبي حفرة و ملأناها بالماء، و تنحينا فأقبلت الظباء، فشربت حتى رويت، فإذا هاتف يهتف بي و يقول: يا مالك، دعانا صاحبك، و توجه إلينا بقلبه و نفسه، فأجبناه، و أطعمناه، و حللنا وثاقه، و سقيناه، و توكلت علينا الظباء فسقيناها.

كناه الرسول بأبى المساكين، و لقبه بذي الجناحين، و طائر الجنة.

فهو صاحب المهمة العظمى إلى النجاشي في الهجرة الأولى إلى الحبشة و خطيب المهاجرين.

و هو ثالث القواد في غزوة مؤتة. خرج الحبيس و معه جعفر. و عندما كادت الراية أن تسقط من يد زيد بن حارثة تلقاها جعفر بيمينه و بدأ يقاتل ليس للفخر و لكن للشهادة. و تقاتل الروم حوله و نزل من على فرسه و ظل يسدد بسيفه نحو أعدائه. فرأى رجلاً من الأعداء يقترب من ظهرها ليركبها فعز عليه أن يمتطي ظهرها هذا النجس فبسط سيفه و عقرها – ذبحها – و ظل ينادي في المعركة

يا حبذا الجنة و اقترابها              

                                    طيبة و بارداً شرابها

و الروم روم قد اقترب عذابها

                                    كافرة بعيدة أنسابها

كان لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – غلام؛ و كان خازناً لبيت المال، و كان لعمر بنات، فجِئْن إليه، و قلن له: غداً العيد، و نساء الرعية و بناتهم يلُمْننا و يقلن: أنتنّ بنات أمير المؤمنين، و نراكن عريانات، لا أقلّ من ثياب بيضاء تلبسنها، و بكيْن عنده، فضاق صدر عمر، و دعا غلامه الخازن، و قال له: اعطني مشاهرتي لشهر واحد، فقال الخازن يا أمير المؤمنين، تأخذ المشاهرة من بيت المال سلفاً؟ أتظن أن لك عمر شهر؟ فأطرق عمر، ثم رفع رأسه، و قال: نِعْم ما قلت أيها الغلام، بارك الله فيك، ثم التفت إلى بناته و قال: اكظِمْنَ شهواتكنّ، فإن الجنة لا يدخلها أحد إلا بمشقة. لا يدخلها إلا الصابرات الراضيات الذاكرات لله.

و في موقف آخر طلب عنبسة ذات يوم منه مالاً.

ليس هذا بعجيب من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؛ و هو العف الزاهد القنوع، لم تمتد يده إلي مالم يكن له من بيت المال، و لو أراده لكان له ما يريد، و لكنه آثر آخرته على دنياه، و أخراه على أولاه.

د/نور مكاوي

قال الأصمعي:

قصدت في بعض الأيام رجلاً كنت أجئ إليه لكرمه، فوجدت على بابه بواباً، فمنعني من الدخول إليه، ثم قال: و الله يا أَصْمَعيّ؛ ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك، إلا لرقة حاله، و قصور يده، فكتبت رقعة فيها:

إذا كان الكريم له حجاب

                                     فما فضل الكريم على اللئيم؟

ثم قلت له: أوصل رقعتي إليه؛ ففعل و عاد بالرقعة، و قد وقع على ظهرها:

إذ كان الكريم قليل مال

                                     تحجب بالحجاب عن الغريم

و مع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار.

الصفحة 1 من 2

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة