هل رسم المصحف توقيفي؟

هل رسم المصحف توقيفي؟

 

للعلماء في رسم المصحف آراء ثلاثة:

الرأي الأول: أنه توقيفي لا تجوز مخالفته. وذلك مذهب الجمهور. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كتاب يكتبون الوحي وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم وأقرهم الرسول على كتابتهم ومضى عهده صلى الله عليه وسلم والقرآن على هذه الكتبة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل. بل ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يضع الدستور لكتاب الوحي في رسم القرآن وكتابته. ومن ذلك قوله لمعاوية وهو من كتبة الوحي: "ألق([1]) الدواة وحرف القلم وأنصب الباء وفرق السين ولا تعور([2]) الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك".

ثم جاء أبو بكر فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف ثم حذا حذوه عثمان في خلافته فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف على تلك الكتبة وأقر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمل أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين وانتهى الأمر بعد ذلك إلى التابعين وتابعي التابعين فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم ولم ينقل أن أحدا منهم فكر أن يستبدل به رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف ونشاط التدوين وتقدم العلوم. بل بقي الرسم العثماني محترما متبعا في كتابة المصاحف لا يمس استقلاله ولا يباح حماه. وملخص هذا الدليل أن رسم المصاحف العثمانية ظفر بأمور كل واحد منها يجعله جديرا بالتقدير ووجوب الاتباع. تلك الأمور هي إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم عليه وأمره بدستوره.

 وإجماع الصحابة وكانوا أكثر من اثني عشر ألف صحابي عليه ثم إجماع الأمة عليه بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين!

 وأنت خبير بأن اتباع الرسول واجب فيما أمر به أو أقر عليه لقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}([3]) والاهتداء بهدي الصحابة واجب خصوصا الخلفاء الراشدين لحديث العرباض بن سارية وفيه يقول صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ"([4]) ولا ريب أن إجماع الأمة في أي عصر واجب الاتباع خصوصا العصر الأول. قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً }([5]).

وممن حكى إجماع الأمة على ما كتب عثمان صاحب المقنع إذ يروي بإسناده إلى مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقق عثمان رضي الله عنه المصاحف فأعجبهم ذلك ولم يعبه أحد وكذلك يروي شارح العقيلة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عثمان أرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أرسل إليهم. ولم يعرف أن أحدا خالف في رسم هذه المصاحف العثمانية.

وانعقاد الإجماع على تلك المصطلحات في رسم المصحف دليل على أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها. ويرحم الله الإمام الخراز إذ يقول:

وبعده جرده الإمام

في مصحف ليقتدي الأنام

ولا يكون بعده اضطراب

وكان فيما قد رأى صواب

وقصة اختلافهم شهيره 

كقصة اليمامة العسيره

فينبغي لأجل ذا أن نقتفي 

مرسوم ما أصله في المصحف

ونقتدي بفعله وما رأى 

في جعله لمن يخط ملجأ

 

 

 

 

[1] )لاقت الدواة ليقاً: لصق المداد ليقاً: لصق المداد بصوفها فهي لائق تلائق الدواة : جعل لها ليقة وأصلح مدادها ، فهي مليقة ، والليقة صوفة الدواة.

[2] )المراد : اجعلها واضحة . يقال تعور الكتاب : درس

[3] )سورة آال عمران آية 31 الآة 11

[4] )أخرج أبو داود في سننه صفحة 5 ، والترمذي في سننه علم16 ، وابن ماجه في سننه، ومقدمه 6، والدرامي في مسنده 16 والامام أحمد في مسنده :4/126، 127

[5] )سورة النساء الآية 115

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة