موقف القرآن الكريم من العلوم الكونية 1

ومما يجب التفطن له ان عظمة القرآن لا تتوقف على ان ننتحل له وظيفة جديدة ولان ان نحملة مهمة ما انزل الله بها من شلطان فإن وظيفته فى هداية العالم اسمى وظيفة فى الوجود ومهمته فى إنقاذ الانسانية اعلى مهمة فى الحياة وما العلوم الكونية بإزاء الهدايات القرآنية أليس العلام يشقى بهذه العلوم ويحترب وينتحر ؟ ثم اليست العلوم الكونية هي التى ترمي الناس فى هذه الايام بالمنايا وتقذفهم بالحمم وتظهر لهم على أشكال مخيفة مزعجة من مدافع ورشاشات ودبابات فتاكه وطائرات ازازة وقنابل مهلكة وغازلت محرقه ومدمرات فى البر والبحر والجو ؟ وما اشبه هذه العلوم للإنسان بعد تجرده من هدي الله ووحي السماء بالانياب والمخالب للوحوض الضاربة والسباع الواغلة فى اديم الغبراء .

 

ثانيها أن القرآن دعا الى هذه العلوم فى حملة ما دعا إليه من البحث والنظر والانتفاع بما من نعيم وعبر قال سبحانه " قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ"[1] وقال جل شأنه "وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"[2]

ثالثهما ان القرآن حين عرض لهذه الكونيات اشعرنا انها مربوبة له تعالى ومقهورة لمرادة ونفى عنها ما علق بأذهان كثير من الضالين الذين وتوهموما آلهة وهي مالوهة وزعموها ذات تأثير وسلطان هي خاضعة لقدرة الله وسلطانه " وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا"[3] زكذلك اشعرنا القرآن انها هالكة "وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "[4] "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ"[5]"يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ"[6]

رابعها : ان القرىن حين يعرض لآية كونية فى معرض من معارض الهداية يتحدث عنها حديث المخيط بعلوم الكون الخبير بأسرار السموات والارض الذى لا تخفى عليه خافية فى البر والبحر ولا فى النجوم والكواكب ولا فى السحاب والماء ولا فى الإنسان والحيوان والنبات والجماد وذلك هو الذى بهر المشتغلين بالعلوم الكونية وأوقع من أوقع منهم في الإسراف واعتبار هذه العلوم من علوم القرآن .

خامسها ان الاسلوب الذى اختراه القرآن فى التعبير عن آيات الله الكونية اسلوب بارع بين البيان والاجمال فى سمط واحد بحيث يمر النظم القرآني الكريم على سامعية فى كل جيل وقبيل فإذا هو واضح فيما سبق له من دلالة الانسان وهداتيه الى الله ثم إذا هو مجمل التفاصيل يختلف الخلق من معرفة تفاريعة ودقائقه بإختلاف ما لديهم من مواهب ووسائل وعلوم وفنون .

ولنضرب لذلك مثلا تلك الاية الحكيمة وهي قوله عز اسمه " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[7]فإنها مرت على بني الانسان منذ نزلت الى الآن ففهموا منها جميعا ان الله تعالى يدل على قدرته وابداعه وكماله بانه خلق من الاشياء متنوعات مختلفة  الاشكال والخصائص لكنهم اختلفوا بعد ذلك فالاوائل يؤثر عنهم ان الزوجين فى الاية الكريمة هما الامران المتاقبلان تقابلا ما لا بخصوص الذكورة والانوثة روي  عن الحسن انه فسر الزوجين  بالليل والنهار والسماء والارض والشمس والقمر والبر والبحر والحياة والموت هكذا عدد اشياء وقال كل اثنين منها زوج والله  تعالى فرد لا مثيل له اما المتأخرون ففهموا ان الزوجين فى الاية  هما الامران المتقابلان بالذكورة والانوثة ويقولون انه ما من شئ فى الوجود الا منه الذكر والانثي سواء فى ذلك  الانسان والحيوان والجماد وغيرها مما لا نعلم ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه " سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ"[8]ويقولون ان احداث نظرية فى اصول الاكوان تقرر ان اصول جميع الكائنات تتكون من زوجين اثنين وبلسان العلم الحديث الكترون وبروتون

 

[1] - سورة يونس الاية 101

[2] - سورة الجاسية الاية 13

[3] - سورة فاطر الاية 42

[4] - سورة القصص الاية 88

[5] - سورة الزمر الاية 67

[6] - سورة ابراهيم الاية 48

[7] - سورة الذاريات الاية 49

[8] - سورة يس الاية 36

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة