فالصبر خصلة محمودة وسجية مرغوبة ، وخلق فريد ، جميل العواقب ، حميد الآثار ، جم الفوائد ، وكريم العوائد ، وهو قوة نفسية إيجابية فاعلة ، تدفع المتحلي بها إلى مقاومة كل أسباب الخور والضعف والاستكانة ، وتحمله على الصمود على طاعة الله ، والثبات أمام الفتن والمغريات ، والمحن والمكاره ، إلى أن يلقى الله وهو عنه راض ، وهو أيضا قوة تًحَمُّل واختبارُ عزيمة ، وسلاحُ نجاح المؤمن وفلاحهُ في الدنيا والآخرة .

وللصبر فضائل كثيرة وعظيمة وثمرات عديدة كريمة ، تعود على الصابرين في الدنيا وفي الآخرة ، ورد ذكرها في القرآن الكريم ، وفي سنة الرسول العظيم (صلى الله عليه و سلم) ، كما ورد ذكر بعض هذه الفضائل والثمرات في العديد من الأقوال والآثار الواردة عن سلف الأمة وعلمائها العاملين (رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين) .

قال الشاعر :

الصبر مثلُ اسمه مُرُّ مَذَاقَتهُ            لكنْ عواقبهُ أحلى من العسل

ولقد علمنا بأن الصبر هو حبس النفس عن الجزع والسخط ، وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش ، ولقد ذُكرَ الصبرُ في القرآن الكريم في مواضع عديدة تبين فضله وتوضح ثمراته العاجلة والآجلة .

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في نحو من تسعين موضعا وكلها توضح فضائل الصبر وثمراته : 

فالله سبحانه وتعالى قرن الصبر بأركان الإسلام وقيمه ومقامات الإيمان

أ - فقرنه سبحانه بالصلاة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}     (153) سورة البقرة .

ب- وقرنه بالجهاد فقال سبحانه :{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}    (31) سورة محمد

وقال أيضا :{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}    (110) سورة النحل

وقال أيضا :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}      (200) سورة آل عمران

جـ- وقرنه سبحانه بعمل الصالحات عموما فقال :{إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (11) سورة هود

د- وقرنه عز وجل باليقين فقال تعالى :{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}     (24) سورة السجدة

هـ- وقرنه بالحق فقال سبحانه : {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}     (3) سورة العصر

و- وقرنه تعالى بالصدق فقال سبحانه :{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (35) سورة الأحزاب.

ز - وقرنه جل وعلا بالتقوى فقال سبحانه :{قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}     (90) سورة يوسف.

ح- وقرنه تعالى بالتوكل فقال سبحانه :{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ  *  الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (58 - 59) سورة العنكبوت .

ط – وقرنه تعالى بالشكر فقال سبحانه :{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}   (5) سورة إبراهيم .

وقال تعالى أيضا:{إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }    (33) سورة الشورى

وقال في بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز : وهو أي الصبر في القرآن على ستة عشر نوعا : 

 الأول : الأمر به نحو قوله تعالى :

قال الله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ }(153) سورة البقرة  .

وقولـــه تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  (200) سورة آل عمران

وقوله تعالى :{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ }   (127) سورة النحل

الثاني : النهي عن ضده

كقوله تعالى :{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } (35) سورة الأحقاف

وقال الله تعالى أيضا :{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} (48) سورة القلم

وقال تعالى أيضا :{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}    (77) سورة غافر

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} (15) سورة الأنفال.

فإن تولية الأدبار ترك للصبر والمصابرة .

الثالث : الثناء على أهله أي أهل الصبر

كقوله تعالى :{ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}   (15 : 17) سورة آل عمران

وقوله تعالى :{وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}       (177) سورة البقرة  .

وهو كثير النظائر في التنزيل .

الرابع : إيجاب معيته تعالى لهم أي الصابرين :

المعية التي تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم ، أعني معية العلم والإحاطة كقوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}   (46) سورة الأنفال  .

الخامس : إيجاب محبته تعالى لهم كقوله سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}         (146) سورة آل عمران

وقوله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (25) سورة النساء

السادس : إخباره تعالى بأن الصبر خير للصابرين كقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} (126) سورة النحل

وقوله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (25) سورة النساء

السابع : إيجابه الجزاء لهم ، أي لأهل الصبر ، بأحسن ما كانوا يعملون كقوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (96) سورة النحل

الثامن : إيجابه تعالى الجزاء للصابرين بغير حساب كقوله سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}    (10) سورة الزمر .

التاسع : إطلاق البشرى لأهل الصبر كقوله تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (155) سورة البقرة

العاشر : ضمان النصر والمدد لهم أي لأهل الصبر كقوله تعالى :{بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }           (125) سورة آل عمران

وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: ( إن النصر مع الصبر ) .

الحادي العشر : الإخبار أن أهل الصبر مع أهل العزائم كقوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }   (43) سورة الشورى

الثاني عشر : الإخبار أنه ما يُلَقَّى الأعمال الصالحة وجزاءَها إلا أهل الصبر كقوله تعالى :{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (80) سورة القصص

وقوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}         (34 - 35) سورة فصلت

الثالث عشر : الإخبار أنه ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (5) سورة إبراهيم

وقوله تعالى أيضا: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}   (19) سورة سبأ

وقوله أيضا :{إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}     (33) سورة الشورى

الرابع عشر : الإخبار بأن الفوز بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب ، ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر ،كقوله تعالى  {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }         (23 - 24) سورة الرعد

الخامس عشر : أن الصبر يُوَرِّثُ صاحبه الإمامة ، وأن بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ،كقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}     (24) سورة السجدة

السادس عشر : اقتران الصبر بمقامات الإسلام والإيمان، كما قرنه سبحانه باليقين والتوكل والتقوى والشكر – ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له ، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له ، قال عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) :خَيْرُ عيش ما أدركناه بالصبر

وفي الحديث الشريف: ( الصبر ضياء ) .

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) :
 [ الطُّهور شَطْرُ الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ]

رواه مسلم في صحيحه بشرح النووي ج 3 ص 99 ، 100 .

من ثمرات الصبر العاجلة والآجلة

فمن فوائد الصبر وثمراته العاجلة والآجلة أن الله سبحانه وتعالى أخبر بظفر الصابرين بمحبته فقال سبحانه{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}    (146) سورة آل عمران

وأنه سبحانه أطلق البشرى لهم بأن جمع لهم ثلاثة أشياء لم يجمعها لغيرهم وهي : الصلاة منه عليهم ، ورحمته لهم، وهدايته أياهم ، وذلك في قوله تعالى : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}                           (155 - 157) سورة البقرة

 ومن ثمرات الصبر أيضا أن الله سبحانه وتعالى أوجب الجزاء للصابرين بأحسن أعمالهم ، وتوفيتهم أجورهم بغير حساب فقال تعالى :{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}      (96) سورة النحل

وقال أيضا: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}      (10) سورة الزمر

أي بغير حد ولا عدد ولا مقدار وما ذلك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند الله تعالى .

كذلك من فوائد الصبر وثمراته أن الله سبحانه ضمن للصابرين النصر والمدد فقال تعالى : {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ } (125) سورة آل عمران .

وقال تعالى أيضا: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ}   (137) سورة الأعراف

كما ضمن الله سبحانه وتعالى للصابرين سلامتهم من شر الأشرار وحفظهم من كيد الأعداء فقال تعالى :{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}   (120) سورة آل عمران

وأنه سبحانه وتعالى امتدح الصابرين واثنى عليهم في كتابه الكريم فقال: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (177) سورة البقرة

ومن ثمرات الصبر وفوائده للصابرين في الآخرة أن الحق سبحانه وتعالى أخبر باستحقاقهم دخول الجنة وتسليم الملائكة عليهم فقال تعالى: {وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا }     (12) سورة الإنسان

وقال كذلك : {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا}              (75) سورة الفرقان

والغرفة في الآية هي الفردوس الأعلى وسقفها عرش الرحمن كما جاء في الأحاديث الشريفة

وقال سبحانه أيضا :{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }   (23 - 24) سورة الرعد

كما يخبر سبحانه أنه ما يُلَقَّى الأعمال الصالحة وجزائها والحظوظ العظيمة في الدنيا والآخرة إلا أهل الصبر فقال تعالى : {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}          (80) سورة القصص

وقال تعالى أيضا : {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}           (35) سورة فصلت

ومن ثمرات الصبر وفوائده أن الله سبحانه وتعالى خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم فقال تعالى :{ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}                (17 - 18) سورة البلد

كما أنه سبحانه جعل الصبر من عزم الأمور فقال سبحانه{وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }              (43) سورة الشورى

وقال سبحانه في وصايا لقمان لابنه :{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (17) سورة لقمان

كما أنه سبحانه جعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين فقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}   (24) سورة السجدة.

يقول سفيان بن عيينة رحمه الله في هذه الآية أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء

كما وعد سبحانه وتعالى أهل الصبر أن يُبَوِّئَهُم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار فقال تعالى : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}                        (58- 59) سورة العنكبوت

وهناك كثير من الثمرات اليانعات والفوائد الباقيات لأهل الصبر في الدنيا والآخرة جاءت بها الآيات الكثيرة والأحاديث المتعددة .

·       فقد صح عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أحاديث كثيرة تبين قيمة الصبر وتوضح منزلته وفضله منها :

ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ الطُّهور شَطْرُ الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ]رواه مسلم في صحيحه بشرح النووي جـ 3 ص 99 ، 100 .

فهذا الحديث الشريف يوضح لنا أن الصبر نبراس ينير معالم الطريق ، ويكشف ظلمات الحيرة ، ويوضح حقائق الأمور .

يقول الإمام النووي رحمه الله معلقا على هذا الحديث في شرحه لصحيح الإمام مسلم : وأما قوله (صلى الله عليه و سلم) :(والصبر ضياء) فمعناه الصبر المحبوب في الشرع ، وهو الصبر على طاعة الله ، والصبر عن معصيته ، والصبر أيضا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا ، والمراد أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب .قال إبراهيم الخواص : الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة وقال بن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ، وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى : حقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور ، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر ، قال الله تعالى في أيوب عليه السلام: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}            (44) سورة ص  .

مع أنه قال في مناجاته لربه: { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (83) سورة الأنبياء .

شرح النووي على صحيح مسلم جـ 3 ص 101- 102  كتاب الطهارة باب فضل الوضوء

ويبين النبي صلى الله عليه و سلمأيضا أن الصبر خير عطاء أعطيه الإنسان وأوسعه ، روى البخاري في صحيحه . عن أبي سعيد الخدري (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال :(ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر) .

رواه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة حديث رقم 1469 ج 3 ص 335 . ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة باب فضل التعفف والصبر ج 7 ص 144 ، 145 بشرح النووي .

كما أن الصابرَ على طاعة الله وملازمة عبادته ، والصابرَ عن ارتكاب المعصية مع توفر دواعيها هو أحد السبعة الذين سيظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله .

روى البخاري في صحيحه ومسلم أيضا عن أبي هريرة (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمامُ عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) رواه البخاري في كتاب الزكاة حديث رقم 1423 ج 3 ص 292 ، 293 ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة ج 3 ص 120 . شرح النووي .

يقول الإمام المنبجي رحمه الله معلقا على هذا الحديث: ولذلك استحق هؤلاء السبعة أن يظلهم الله في ظله لكمال صبرهم ومشقته على نفوسهم ، فصبر الملك على العدل مع قدرته على الظلم والانتقام من رعيته ، وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه ، وصبر الرجل على ملازمة المسجد ، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن شماله مع قدرته على الرياء ، وصبر المَدْعُوِّ إلى الفاحشة مع جمال الداعي ، وصبر المتحابين في الله في اجتماعهما وانفرادهما ، وصبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك عن الناس ، فهذه الأمور فيها مشقة على النفوس ، فالصبر عليها بتوفيق الله وفضله وإحسانه إلى عبده صبر جميل عظيم .                   تسلية أهل المصائب ص 204 .

كما أن الصبر على البلاء أحد أربع خصال من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة .

روى ابن أبي الدنيا في الصبر والثواب عليه عن ابن عباس (رضي الله عنهما ) ان رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال :( أربع من اعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة : قلب شاكر ، ولسان ذاكر ، وبدن على البلاء صابر ، وزوجة لا تبغيه خونا في نفسه ولا ماله ) رواه بن ابي الدنيا في الصبر والثواب عليه ص 36 . كما رواه الطبراني في المعجم الكبير حديث رقم 11275 جـ 11 ص 134 . ط أولى سنة 1400 هـ ، 1980م . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، ورجال الأوسط رجال الصحيح جـ 4 ص 273 ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب رواه الطبراني بإسناد جيد جـ 2 ص 398 .

كما أن النصر دائما يقترن بالصبر . روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس (رضي الله عنهما ) أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال :( إعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، وأن النصر مع الصبر ) رواه الإمام أحمد في مسنده جـ 5 ، ص 18 – 19 وصححه محققوا المسند كما صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 2382 ج 5 ص 496 .

كما أن الصبر على الأذى أجره عظيم .

روى البخاري في كتاب الأدب المفرد عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما ) ان رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال:

(المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) .رواه البخاري في الأدب المفرد حديث رقم 390 ص 140- 141 .ورواه الإمام أحمد في المسند ج 9 ص 64 . ورواه ابن ماجة في سننه في كتاب الفتن باب الصبر على البلاء حديث رقم 4032 ص 666 . ورواه الترمذي في سننه في كتاب صفة القيامة ج 4 ص 662 وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 939 ج 2 ص 614 .

وفي الصبر أيضا تكفير للذنوب والخطايا فالله عز وجل يكفر عن المؤمن سيئاته ويغفر له ذنوبه إذا صبر على ما يصيبه مما يشق عليه ويعنته من تعب ومرض وهم ِّ وحزن .

ومن ذلك الصبر على الجهاد في سبيل الله ، فعن أبي قتادة (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قام فيهم أي خطيبا ، فذكر لهم أن الجهاد والإيمان بالله أفضل الأعمال ، فقام رجل فقال يا رسول الله : أرأيت إن قُتِلْتُ في سبيل الله تُكَفَّرُ عني خطاياي ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : (نعم) إن قتَلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر .

كما أن في الصبر الظفر بالجنة في الآخرة فمن كرم الله سبحانه وتعالى أيضا أن المبتلَى إذا صبر على بلواه فإنه تُكَفَّرُ عنه سيئاته ويكافأ بأعظم المكافأة في الدنيا ويظفر بالجنة في الآخرة ، ومن ذلك الصبر على الابتلاء بالصرع وعلى الابتلاء بفقد البصر وعلى الابتلاء بفقد الأولاد والأصفياء ، والصبر على البقاء في البلد الذي يظهر فيه مرض الطاعون وهو مقيم فيه وكذلك الصبر على مشقة تربية البنات والقيام بشئونهن ، روى الحاكم في المستدرك في كتاب البر والصلة عن أبي هريرة (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قالمن كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وضرائهن أدخله الله الجنة برحمته أياهن ، قال :فقال رجل : وابنتان يا رسول الله ؟ قال :(وابنتان) ، قال :فقال رجل وواحدة يا رسول الله ؟ قال :(وواحدة)

رواه الحاكم في المستدرك في كتاب البر والصلة حديث رقم 7346 ج 4 ص 195 وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

ومن إكرام الله للصابرين أن الله تعالى يكرمهم بتحية الملائكة لهم في الجنة.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص  رضى الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله) : قالوا الله ورسوله أعلم ، قال : ( أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تُسَدُّ بهم الثغور ، وتُتَّقَى بهم ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءا ، فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة : نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك ، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم ؟ قال : إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ، وتُسَدُّ بهم الثغور وتُتَّقَى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءا ، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ) قائلين لهم{ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }    (24) سورة الرعد.

وقد ورد عن سلف الأمة وعلمائها الكثير من الآثار والأقوال التي تبين قيمة الصبر وتوضح منزلته وفضله وثمراته للعبد الصابر في الدنيا وفي الآخرة ومنها :

يقول عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) وجدنا خير عيشنا بالصبر .

وفي رواية: إن أفضل عيش أدركناه بالصبر ، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريما .

ويقول (رضى الله عنه) أيضا: الصبر مِلاك الإيمان – ويقول كذلك لو أن الصبر والشكر بعيران لم أبال أيهما ركبت .

ويقول أيضا: نعم العدلان ونعمة العلاوة للصابرين ، ويعني بالعدلين الصلاة والرحمة ، وبالعلاوة : الهدى – والعلاوة : ما يحمل فوق العدلين على البعير وأشار به إلى قول الله تعالى :{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}       (157) سورة البقرة

إحياء علوم الدين للغزالي ج4 ص 59

ويقول الإمام على بن أبي طالب (رضى الله عنه) عن فضائل الصبر :بني الإسلام على أربع دعائم : اليقين ، والصبر ، والجهاد ، والعدل . إحياء علوم الدين للغزالي ج4 ص 59

ويقول (رضى الله عنه) :الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا جسد لمن لا رأس له ، ولا إيمان لمن لا صبر له .

ويقول أيضا: الصبر مطية لا تكبو .

ويقول كذلك: لو كان الصبر رجلا كان أكمل الرجال ، والصبر كفيل بالنجاح .

ويقول (رضى الله عنه) مبينا أركان الصبر :الصبر على أربع شعب : على الشوق ، والشفقة ، والزهد ، والترقب ، فمن أشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن أرتقب الموت سارع إلى الخيرات . الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا ص25 وقوت القلوب لمكي ج1ص200

ويقول خالد بن الوليد (رضى الله عنه) :يا أهل الإسلام إن الصبر عِزُّ وإن الفشل عَجْزُ ، وإن النصر مع الصبر .       عيون الأخبار لابن قتيبة جـ 1 ص 258

ويقول عبد الله بن مسعود (رضى الله عنه): الصبر نصف الإيمان . قوت القلوب لمكي جـ 1 ص 194 وعدة الصابرين لابن القيم ص 116

ويقول عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما ) :أفضل العُدَّة الصبر على الشدة . أدب الدنيا والدين للمواردي ص 276  .

ويقول أبو الدرداء (رضى الله عنه) :ذِروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر . إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 ص 59

ويقول عبد الله بن حصين (رضى الله عنه) :ثلاث يُدْرِك بهن العبد رغائب الدنيا والآخرة : الصبر عند البلاء ، الرضا بالقضاء ، والدعاء في الرخاء . الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا ص 65

وتقول أم الدرداء (رضي الله عنها ) :إن الراضين بقضاء الله الذين ما قضى الله لهم رضوا به ، لهم في الجنة منازل يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة .           تسلية أهل المصائب للمنبجي ص 209

ويقول الحسن البصري رحمه الله :الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده .

ويقول مجاهدرحمه الله : الصبر معقل .    الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا ص 60

ويقول سفيان ابن عيينة رحمه الله: لم يعط العباد أفضل من الصبر ، به دخلوا الجنة .                        المرجع السابق ص 55 ، 56 .

ويقول إبراهيم التيمي رحمه الله: ما من عبد وهب الله له صبرا على الأذى ، وصبرا على البلاء ، وصبرا على المصائب إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله .     المرجع السابق ص 28

ويقول وهب بن منبه رحمه الله: ثلاث من كن فيه أصاب البر : سخاوة النفس ، والصبر على الأذى ، وطيب الكلام .              المرجع السابق ص 38 ، 39

وقيل لسفيان الثوري رحمه الله : ما أفضل الأعمال ؟ قال الصبر عند البلاء    قوت القلوب لمكي ج 1 ص 197

ويقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبرَ إلا كان ما عوضه خيرا .

ويقول أيضا: قد شرف الله تعالى الصبر بأن أضافه إليه بعد الأمر به

فقال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ }         (127) سورة النحل.

وقال تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}    (7) سورة المدثر

ويقول كذلك: اعلم أن الصبر سبب دخول الجنة وسبب النجاة من النار ، لأنه جاء في الخبر أن الجنة حفت بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ، فيحتاج المؤمن إلى صبر على المكاره ليدخل الجنة ، ويحتاج إلى صبر عن الشهوات لينجو من النار .   قوت القلوب لمكي ج 1 ص 200

 ويقول عمر بن عبد العزيز أيضا: الصبر مقام أولي العزم من الرسل : أُمِرَ النبي (صلى الله عليه و سلم) بالقدوة بهم وباهى الله تعالى بهم عباده  فقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ }     (35) سورة الأحقاف

وجعل الله تعالى الصبر من العزائم في قوله: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (186) سورة آل عمران

ويقول المنبجيليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها أصاب العبدَ من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا ، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حِمْيةَ له من هذه الأدواء ، وحفظا لصحة عبوديته ، واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة ، فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه .      تسلية أهل المصائب للمنبجي ص 34

وصدق الشاعر إذ يقول

ألا بالصبر تبلغ ما تريدُ             وبالتقوى يلين لك الحديدُ

 

د/محمد سعيد محمد عطية عرام

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة