الدرس الأول: توجيه المسلمين إلى الأدب مع الرسول عليه السلام:غض الصوت وعدم التقدم عليه وعدم مناداته بجلافة

سورة الحجرات

دراسة تحليلية

الدروس المستفادة

الدرس الأول:

توجيه المسلمين إلى الأدب مع الرسول عليه السلام:غض الصوت وعدم التقدم عليه وعدم مناداته بجلافة

(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله , واتقوا الله إن الله سميع عليم . يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى , لهم مغفرة وأجر عظيم .إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون . ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم , والله غفور رحيم). .

تبدأ السورة بأول نداء حبيب , وأول استجاشة للقلوب . (يا أيها الذين آمنوا). . نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب . واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به , وتشعرهم بأنهم له , وأنهم يحملون شارته , وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده , وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده , وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختيارا لهم ومنة عليهم , فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا , وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره , يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم , ويسلم ويستسلم:

(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله , واتقوا الله إن الله سميع عليم). .

يا أيها الذين آمنوا , لا تقترحوا على الله ورسوله اقتراحا , لا في خاصة أنفسكم , ولا في أمور الحياة من حولكم . ولا تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله , ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله .

قال قتادة:ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون:لو أنزل في كذا وكذا . لو صح كذا . فكره الله تعالى ذلك . وقال العوفي:نهوا أن يتكلموا بين يديه . وقال مجاهد:لا تفتاتوا على رسول الله [ ص ] بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه . وقال الضحاك:لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم . وقال علي بن طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -:لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة .

فهو أدب نفسي مع الله ورسوله . وهو منهج في التلقي والتنفيذ . وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته . . وهو منبثق من تقوى الله , وراجع إليها . هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم . . وكل ذلك في آية واحدة قصيرة , تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصلية الكبيرة .

وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم ; فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله ; وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله [ ص ] أن يدلي به ; وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم , إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول . .

روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه - باسناده - عن معاذ - رضي الله عنه - حيث قال له النبي [ ص ] حين بعثه إلى اليمن:" بم تحكم ? " قال:بكتاب الله تعالى . قال [ ص ]:" فإن لم تجد ? " قال:بسنة رسول الله [ ص ] قال [ ص ]:" فإن لم تجد ? " قال - رضي الله عنه -:أجتهد رأيي . فضرب في صدره وقال " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله [ ص ] لما يرضي رسول الله " .

وحتى لكأن رسول الله [ ص ] يسألهم عن اليوم الذي هم فيه , والمكان الذي هم فيه , وهم يعلمونه حق العلم , فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم:الله ورسوله أعلم . خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله !

جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي - رضي الله عنه - أن النبي [ ص ] سأل في حجة الوداع:

"أي شهر هذا ? " . . قلنا:الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال:" أليس ذا الحجة ? " قلنا بلى ! قال:" أي بلد هذا ? " قلنا:الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميهبغير اسمه . فقال:" أليس البلدة الحرام ? " قلنا:بلى ! قال:" فأي يوم هذا ? " قلنا:الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال:أليس يوم النحر ? قلنا بلى ! . . الخ .

فهذه صورة من الأدب , ومن التحرج , ومن التقوى , التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء , وذلك التوجيه , وتلك الإشارة إلى التقوى , تقوى الله السميع العليم .

والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب ; وتوقيرهم له في قلوبهم , توقيرا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم ; ويميز شخص رسول الله بينهم , ويميز مجلسه فيهم ; والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب ; ويحذرهم من مخالفة ذلك التحذير الرهيب:

(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). .

يا أيها الذين آمنوا . . ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان . . أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . . ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم , وهم غير شاعرين ولا عالمين , ليتقوه !

ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب , وهذا التحذير المرهوب , عمله العميق الشديد:

قال البخاري:حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي , حدثنا نافع بن عمر , عن ابن أبي مليكة . قال:كاد الخيران أن يهلكا . . أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . . رفعا أصواتهما عند النبي [ ص ] حين قدم عليه ركب بني تميم "في السنة التاسعة من الهجرة " فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس - رضي الله عنه - أخي بني مجاشع "أي ليؤمره عليهم" وأشار الآخر برجل آخر . قال نافع:لا أحفظ اسمه "في رواية أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد" فقال:أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما - ما أردت إلا خلافي . فقال:ما أردت خلافك . فارتفعت أصواتهما في ذلك . فأنزل الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). قال ابن الزبير - رضي الله عنه -:فما كان عمر - رضي الله عنه - يسمع رسول الله [ ص ] بعد هذه الآية حتى يستفهمه ! وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لما نزلت هذه الآية:قلت:يا رسول الله , والله لا أكلمك إلا كأخي السرار "يعني كالهمس ! " .

وقال الإمام أحمد:حدثنا هاشم , حدثنا سليمان بن المغيرة , عن ثابت , عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:لما نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله:وأنتم لا تشعرون وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت . فقال:أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله [ ص ] أنا من أهل النار . حبط عملي . وجلس في أهله حزينا . ففقده رسول الله [ ص ] فانطلق بعض القوم إليه , فقالوا له:تفقدك رسول الله [ ص ] مالك ? قال:أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي [ ص ] وأجهر له بالقول . حبط عملي . أنا من أهل النار . فأتوا النبي [ ص ] فأخبروه بما قال . فقال النبي [ ص ]:" لا . بل هو من أهل الجنة " . قال أنس - رضي الله عنه -:فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة .

فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب , وذلك التحذير الرعيب ; وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله [ ص ] خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون . ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم ! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم , فخافوه واتقوه !

ونوه الله بتقواهم , وغضهم أصواتهم عند رسول الله [ ص ] في تعبير عجيب:

(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله , أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى . لهم مغفرة وأجر عظيم). .

فالتقوى هبة عظيمة , يختار الله لها القلوب , بعد امتحان واختبار , وبعد تخليص وتمحيص , فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها , وقد ثبت أنه يستحقها . والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة . هبة التقوى . وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم .

إنه الترغيب العميق , بعد التحذير المخيف . بها يربي الله قلوب عباده المختارين , ويعدها للأمر العظيم . الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور .

وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي [ ص ] قد ارتفعت أصواتهما , فجاء فقال:أتدريان أين أنتما ? ثم قال:من أين أنتما ? قالا:من أهل الطائف . فقال:لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا !

وعرف علماء هذه الأمة وقالوا:إنه يكره رفع الصوت عند قبره [ ص ] كما كان يكره في حياته [ ص ] احتراما له في كل حال .

ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا على رسول الله [ ص ] في العام التاسع . الذي سمي "عام الوفود" . . لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة , ودخولهم في الإسلام , وكانوا أعرابا جفاة , فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي [ ص ] المطلة على المسجد النبوي الشريف:يا محمد . اخرج لنا . فكره النبي [ ص ] هذه الجفوة وهذا الإزعاج . فنزل قوله تعالى:

(إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون , ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم , والله غفور رحيم). .

فوصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون . وكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي [ ص ] وحرمة رسول الله القائد والمربي . وبين لهم الأولى والأفضل وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم . وحبب إليهم التوبة والإنابة , ورغبهم في المغفرة والرحمة .

وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع , وتجاوزوا به شخص رسول الله [ ص ] إلى كل أستاذ وعالم . لا يزعجونه حتى يخرج إليهم ; ولا يقتحمون عليه حتى يدعوهم . . يحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الراوية الثقة - أنه قال:"ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه" . .

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة