الدرس الثاني: توجيه المسلمين للتثبت من خبر الفاسق وبيان آثار الإيمان

سورة الحجرات

دراسة تحليلية

الدروس المستفادة

 الدرس الثاني: توجيه المسلمين للتثبت من خبر الفاسق وبيان آثار الإيمان

 

(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . واعلموا أن فيكم رسول الله , لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ; ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم , وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان , أولئك هم الراشدون , فضلا من الله ونعمة , والله عليم حكيم). .

كان النداء الأول لتقرير جهة القيادة ومصدر التلقي . وكان النداء الثاني لتقرير ما ينبغي من أدب للقيادة وتوقير . وكان هذا وذلك هو الأساس لكافة التوجيهات والتشريعات في السورة . فلا بد من وضوح المصدر الذي يتلقى عنه المؤمنون , ومن تقرير مكان القيادة وتوقيرها , لتصبح للتوجيهات بعد ذلك قيمتها ووزنهاوطاعتها . ومن ثم جاء هذا النداء الثالث يبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء وكيف يتصرفون بها , ويقرر ضرورة التثبت من مصدرها:

(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا , أن تصيبوا قوما بجهالة , فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). .

ويخصص الفاسق لأنه مظنة الكذب . وحتى لا يشيع الشك بين الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها من أنباء , فيقع ما يشبه الشلل في معلوماتها . فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها , وأن تكون أنباؤهم مصدقة مأخوذا بها . فأما الفاسق فهو موضع الشك حتى يثبت خبره . وبذلك يستقيم أمر الجماعة وسطا بين الأخذ والرفض لما يصل إليها من أنباء . ولا تعجل الجماعة في تصرف بناء على خبر فاسق . فتصيب قوما بظلم عن جهالة وتسرع . فتندم على ارتكابها ما يغضب الله , ويجانب الحق والعدل في اندفاع .

وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله [ ص ] على صدقات بني المصطلق . وقال ابن كثير . قال مجاهد وقتادة:أرسل رسول الله [ ص ] الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يتصدقهم فتلقوه بالصدقة , فرجع فقال:إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك - زاد قتادة وأنهم قد ارتدوا عن الإسلام - فبعث رسول الله [ ص ] خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إليهم , وأمره أن يتثبت ولا يعجل , فانطلق حتى أتاهم ليلا , فبعث عيونه , فلما جاءوا أخبروا خالدا - رضي الله عنه - أنهم مستمسكون بالإسلام , وسمعوا أذانهم وصلاتهم , فلما أصبحوا أتاهم خالد - رضي الله عنه - فرأى الذي يعجبه ; فرجع إلى رسول الله [ ص ] فأخبره الخبر , فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة . قال قتادة:فكان رسول الله [ ص ] يقول:" التثبت من الله والعجلة من الشيطان " . . وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى , ويزيد بن رومان , والضحاك , ومقاتل بن حبان . وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في الوليد بن عقبة . والله أعلم . . [ انتهى كلام ابن كثير في التفسير ] " . .

ومدلول الآية عام , وهو يتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق ; فأما الصالح فيؤخذ بخبره , لأن هذا هو الأصل في الجماعة المؤمنة , وخبر الفاسق استثناء . والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره . أما الشك المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار , فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة , ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة . والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي , ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء . وهذا نموذج من الإطلاق والاستثناء في مصادر الأخبار .

ويبدو أنه كان من بعض المسلمين اندفاع عند الخبر الأول الذي نقله الوليد بن عقبة , وإشارة على النبي [ ص ] أن يعجل بعقابهم . وذلك حمية من هذا الفريق لدين الله وغضبا لمنع الزكاة . فجاءت الآية التالية تذكرهم بالحقيقة الضخمة والنعمة الكبيرة التي تعيش بينهم ليدركوا قيمتها وينتبهوا دائما لوجودها:

(واعلموا أن فيكم رسول الله). .

وهي حقيقة تتصور بسهولة لأنها وقعت ووجدت . ولكنها عند التدبر تبدوا هائلة لا تكاد تتصور ! وهل من اليسير أن يتصور الإنسان أن تتصل السماء بالأرض صلة دائمة حية مشهودة ; فتقول السماء للأرض ;وتخبر أهلها عن حالهم وجهرهم وسرهم , وتقوم خطاهم أولا بأول , وتشير عليهم في خاصة أنفسهم وشؤونهم . ويفعل أحدهم الفعلة ويقول أحدهم القولة , ويسر أحدهم الخالجة ; فإذا السماء تطلع , وإذا الله - جل جلاله - ينبئ رسوله بما وقع , ويوجهه لما يفعل وما يقول في هذا الذي وقع . . إنه لأمر . وإنه لنبأ عظيم . وإنها لحقيقة هائلة . قد لا يحس بضخامتها من يجدها بين يديه . ومن ثم كان هذا التنبيه لوجودها بهذا الأسلوب: (واعلموا أن فيكم رسول الله). . اعلموا هذا وقدروه حق قدره , فهو أمر عظيم .

ومن مقتضيات العلم بهذا الأمر العظيم أن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله . ولكنه يزيد هذا التوجيه إيضاحا وقوة , وهو يخبرهم أن تدبير رسول الله [ ص ] لهم بوحي الله أو إلهامه فيه الخير لهم والرحمة واليسر . وأنه لو أطاعهم فيما يعن لهم أنه خير لعنتوا وشق عليهم الأمر . فالله أعرف منهم بما هو خير لهم , ورسوله رحمة لهم فيما يدبر لهم ويختار:

(لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم). .

وفي هذا إيحاء لهم بأن يتركوا أمرهم لله ورسوله , وأن يدخلوا في السلم كافة , ويستسلموا لقدر الله وتدبيره , ويتلقوا عنه ولا يقترحوا عليه .

ثم يوجههم إلى نعمة الإيمان الذي هداهم إليه , وحرك قلوبهم لحبه , وكشف لهم عن جماله وفضله , وعلق أرواحهم به ; وكره إليهم الكفر والفسوق والمعصية , وكان هذا كله من رحمته وفيضه:

(ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ; وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان . أولئك هم الراشدون . فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم). .

واختيار الله لفريق من عباده , ليشرح صدورهم للإيمان , ويحرك قلوبهم إليه , ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم , وتدرك ما فيه من جمال وخير . . هذا الاختيار فضل من الله ونعمة , دونها كل فضل وكل نعمة . حتى نعمة الوجود والحياة أصلا , تبدو في حقيقتها أقل من نعمة الإيمان وأدنى ! وسيأتي قوله تعالى: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)فنفصل القول إن شاء الله في هذه المنة .

والذي يستوقف النظر هنا هو تذكيرهم بأن الله هو الذي أراد بهم هذا الخير , وهو الذي خلص قلوبهم من ذلك الشر:الكفر والفسوق والعصيان . وهو الذي جعلهم بهذا راشدين فضلا منه ونعمة . وأن ذلك كله كان عن علم منه وحكمة . . وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء لهم كذلك بالاستسلام لتوجيه الله وتدبيره , والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة , وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع فيما قد يظنونه خيرا لهم ; قبل أن يختار لهم الله . فالله يختار لهم الخير , ورسول الله [ ص ] فيهم , يأخذ بيدهم إلى هذا الخير . وهذا هو التوجيه المقصود في التعقيب .

وإن الإنسان ليعجل , وهو لا يدري ما وراء خطوته . وإن الإنسان ليقترح لنفسه ولغيره , وهو لا يعرف ما الخير وما الشر فيما يقترح .(ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا). ولو استسلم لله , ودخل في السلم كافة , ورضي اختيار الله له , واطمأن إلى أن اختيار الله أفضل من اختياره , وأرحم له وأعود عليه بالخير . لاستراح وسكن . ولأمضى هذه الرحلة القصيرة على هذا الكوكب في طمأنينة ورضى . . ولكن هذا كذلك منة من الله وفضل يعطيه من يشاء .

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة