الدرس الرابع: تحريم السخرية والنبز واللمز

سورة الحجرات

دراسة تحليلية

الدروس المستفادة

الدرس الرابع: تحريم السخرية والنبز واللمز

 

(يا أيها الذين آمنوا , لا يسخر قوم من قوم , عسى أن يكونوا خيرا منهم ; ولا نساء من نساء , عسى أن يكن خيرا منهن . ولا تلمزوا أنفسكم , ولا تنابزوا بالألقاب . بئس الاسم:الفسوق بعد الإيمان . ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون). .

إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع , ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس . وهي من كرامة المجموع . ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس , لأن الجماعة كلها وحدة , كرامتها واحدة .

والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب: يا أيها الذين آمنوا . وينهاهم أن يسخر قوم بقوم , أي رجال برجال , فلعلهم خير منهم عند الله , أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله .

وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية , التي يوزن بها الناس . فهناك قيم أخرى , قد تكون خافية عليهم , يعلمها الله , ويزن بها العباد . وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير . والرجل القوي من الرجل الضعيف , والرجل السوي من الرجل المؤوف . وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام . وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم . وذو العصبية من اليتيم . . . وقد تسخر الجميلة من القبيحة , والشابة من العجوز , والمعتدلة من المشوهة , والغنية من الفقيرة . . ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس , فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين !

ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء , بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية , ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها: (ولا تلمزوا أنفسكم). . واللمز:العيب . ولكن للفظة جرسا وظلا ; فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة معنوية !

ومن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها , ويحسون فيها سخرية وعيبا . ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به . ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا . وقد غير رسول الله [ ص ] أسماء وألقابا كانت في الجاهلية لأصحابها , أحس فيها بحسه المرهف , وقلبه الكريم , بما يزري بأصحابها , أو يصفهم بوصف ذميم .

والآية بعد الإيحاء بالقيم الحقيقية في ميزان الله , وبعد استجاشة شعور الأخوة , بل شعور الاندماج في نفس واحدة , تستثير معنى الإيمان , وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم , والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز: (بئس الاسم:الفسوق بعد الإيمان). فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان ! وتهدد باعتبار هذا ظلما , والظلم أحد التعبيرات عن الشرك: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون). . وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم .

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة