×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

المعجزة العلمية - التكوين الكونى 3

ويقول الله فى سورة الأعلى إنه {خَلَقَ}(الأعلى:2) وأبدع كل ما فى الكون {فَسَوَّى}أى أعطاه هيأته وصورته كما ترى فى أعضاء الإنسان وفى نظام مسيرة الشمس. ويقول: إنه سخر للإنسان كل ما فى الكون كما فى سورة الجاثية:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}(الجاثية13)فجميعها مسخرة للإنسان للإنتفاع بها: ضياء الشمس ونور القمر والجبال والوديان. ويضرب الله مثلا لتسخير البحر:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}(النحل:14) فقد ذلَّله الله لصيد السمك واستخراج اللؤلؤ ولركوبه من بلد إلى بلد للتجارة والحج .

       وهذه الأمثلة ونظائرها فى القرآن الكريم التى تصور صنعة الله الكونية وما أودعه فى الكون بسمائه من نظم – فى رأينا – مدار إعجازه العلمى الربانى. ويندرج فى ذلك أنه نقل العرب من أمة بدوية لا تعرف القراءة والكتابة إلى أمة متحضرة لها علومها المتنوعة. وأول آية أنزلت منه{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ }(العلق:1) حين مثل جبريل للرسول فى غار حراء، وقال له{اقْرَأْ } فقال له ما أنا بقارىء فأخذه،فغطّه أى ضمه وعصره حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال له:اقرأ فقال: ما أنا بقارىء، فأخذه فغطّه الثالثة حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(العلق:1- 5) .

 

       ولم يكن الرسول قبل ذلك قارئا ولذلك كرر عليه جبريل الأمر بالقراءة إذ سيوحى إليه كتابا عن طريقه يقرؤه للناس. وإن كان لا يستطيع كتابته {بِاسْمِ رَبِّكَ} أى مصاحبا قراءتك بالإيمان بوحدانية ربك {الَّذِي خَلَقَ}أى القادر على الخلق وحده لا شريك له{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}أى من دم غليظ تحولت إليه النطفة فى بدء تكونه جنينا .

       وجبريل يعيد عليه الأمر بالقراءة {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}أى الذى أسبغ عليك كرمه العظيم بما يوحى إليك{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}. والله يمتنّ عليه وعلى أمته بما سيمنحها من العلم، وهو استهلال من الله العظيم افتتح به القرآن حثا لأمته على تحصيله والإكباب عليه. وفى سورة القلم يقسم الله به وبالكتابة تكريما لهما وتشريفا واعزازا لما يكتب بهما من العلم  فى آيات كثيرة، ومن قوله لرسول فى سورة طه{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}وهو أمر له ولأمته، إذ كل أمر موجه إليه فى القرآن الكريم موجه أيضا إلأى جميع المسلمين حثاً لهم للعكوف على طلب العلم والمزيد منه،يقول لهم فى سورة الإسراء: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ويأمر الرسول أن يقول لهم فى سورة الزمر:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أى هل يستوى العلماء والجهال الذين يخبطون خبط عشواء فى إدراك الأمور. وينوّه القرآن مرارا بالعلماء فى مثل قوله:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }(المجادلة11) ونوه بهم تنويها عظيما فى سورة آل عمران إذ ضمّهم إليه وإلى الملائكة فى الشهادة بوحدانيتته والتعظيم لألوهيته قائلا:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ }(آل عمران:18)أى العدل. ومما يسمو بالعلم والعلماء عند الله ما جاء فى أوائل سورة البقرة من حوار بين الله – تقدس اسمه – وملائكته فى جعله آدم خليفة له فى الأرض يعمرها،فقالوا له متعجبين{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }فإن من طبيعته الإفساد لا يصلح – فى رأيهم – لتعمير الأرض وهم أحق منهم بالاستخلاف،فقال الله لهم:{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون}مما لم يحط به علمكم{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} إما بالتلقين أو بالالهام أو بعلم ضرورى فى الذهن. وعرض الله مسميات الأسماء على الملائكة، وقال لهم{أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}فعجزوا،فقال الله لآدم:{أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ }(البقرة:33)،فأنبأهم بها فقال الله لهم{اسْجُدُوا لِآَدَمَ}(البقرة:34)جود تعظيم فسجدوا. وبذلك سجدت الملائكة: المخلوقات النورانية التى تسبح دائما بحمد الله لآدم،وكأن منزلة علم الإنسان بالأسماء فوق منزلة تسبيح الملائكة وتقديسهم لله. وهو إكبار من الله للعالم لا يماثله إكبار. ورغّب الإسلام مرارا فى طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم .

       وهذا التحويل الواسع للأمة بإخراجها من عالم الجهالة إلى عالم العلم بفضل عرض القرآن خلق الله للكون وتدبيره لكل شىء فى سمائه وأرضه، وبفضل حث الإنسان على العلم وجعله واجبا عليه بل فريضة يؤديها كما يؤدى عبادة ربه هذا التحويل العظيم هو الإعجاز العلمى الذى أراده الله لعباده المسلمين وبثه فى عقيدتهم، واستحال به الرسول إلى معلم كبير، يعلم الصحابة علوم تفسير القرآن والحديث والفقه،واستحالت المدينة فى عهد الرسول إلى دار علم كبيرة، يعلّم فيها الرسول معانى آيات القرآن وفروض الشريعة الإسلامية ونرى الله فى سورة التوبة يدعو المسلمين ليتجمع نفر منهم حول الرسول ليأخذوا عنه أوامر الدين ونواهيه قائلا: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ}(التوبة:122) وهو استنفار إلهى عظيم لتعلم شريعة الإسلام وقرآنها الربانى والتفقه فى الدين والعلم بالأحكام الشرعية عن طريق الاجتهاد، وكأن الله جعله أصلا من أصول العلم الإسلامى، وأخذ به الرسول وصحابته على نحو ما يروى عن معاذ بن جبل حين بعثه الرسول إلى اليمن إذ قال له: بم تقضى بين الناس، قال بكتاب الله قال: فإن لم تجد قال أقضى بما قضى به رسول الله قال فإن لم تجد. قال أجتهد فى رأيى لا آلو أى لا أقصر. قال الرسول: الحمد لله الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى الله. وليس معاذ وحده الذى كان يستطيع الاجتهاد، فقد عرفت به جماعة من الصحابة كانوا يستطيعون الاجتهاد فى أمور الدين أشار إليهم ربّ العزة فى آية سورة النساء إذ بادر بعض المنا فقين بإشاعة خبر كاذب عن سريّة حربية فقال الله:{ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ}(النساء:83) أىى كبارهم (العلمه الذين يستنبطونه منهم). وهذه الآية مثل سابقتها تؤكد أنه وجد بين الصحابة – بفضل القرآن وما فيه من دعوة إلى التأمل فى صنعة الكون وتدبير الله المحكم له وحث المسلمين على التزود بالعلم – جماعة من الفقهاء كانت تفقه القرآن وشريعته والاجتهاد فى أمور الدين .

       وهذا – فى رأينا – هو الإعجاز العلمى للقرآن أنه عرض خلق الله للكون وما فيه من السماء والأرض وكل ما فيهما من الكواكب والكائنات. وتدبير الله لهما تدبيرا محكما ليحاول المسلمون معرفة نظام هذا الخلق العجيب الدال على قدرة الله، وقرن الله ذلك بحثّ العرب الذين كانوا لا يزالون فى طور الأمية إلى التحول إلى طور حضارى أساسه العلم، وتم لله ذلك فى عهد الرسول إذ صارت بين الصحابة طائفة من الفقهاء تحسن الفتوى والاستنباط عن طريق الاجتهاد .

       وهذا هو الإعجاز العلمى الواضح للقرآن، أما ما ذكره بعض السابقين والمعاصرين من أن إعجاز القرآن العلمى يرجع إلى حمله للعلوم الدينية وغير الدينية، ومازالوا يتوسعون فى عد العلوم حتى جعلها أبو بكر بن العربى فى كتابه قانون التأويل سبعة وسبعين ألفا وأربعمائة وخمسين بعدد ألفاظ القرآن مضروبة فى أربعة إذ لكل لفظ ظهر وبطن وحد ومطلع، وهى مبالغة واضحة .

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة