×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

بعد الغزالى: الفخر الرازى - ابن أبى الفضل - طنطاوى جوهرى 1

     كل ما كتب علماؤنا عن قضايا الإعجاز العلمى فى القرآن امتداد – لنظرية الغزالى التى عرضناها فيما أسلفنا. ويحصى الدكتور نصار فى كتابه الإعجاز العلمى فى القرآن من نادوا بهذا التفسير وفى مقدمتهم فخر الدين محمد عمر الرازى ت606هـ/1210م فى تفسيره للقرآن المسمى: مفاتيح فى تفسيره اتساعا شديدا، وخاصة فى الوصل بين الإشارات الكونية فى القرآن وعلم الهيئة وهو يعلن ذلك فى تفسيره إذ نراه إزاء أكثر الإشارات الكونية يتوقف مصرحا بأنه سيذكر نبذة من علم الهيئة ولو أن شخصا جمع كل ما كتبه فى نبذة لخرج له كتاب بديع فى علم الهيئة أو الفلك .

 

     ومع أنه كان ينكر نظرية الإعجاز العلمى للقرآن التى وضعها الغزالى ويراه فى بلاغته عديم النظير، مع ذلك شُغف شغفا شديدا بتفسير القرآن تفسيرا علميا واتسع فيها اتساعا بإقحامه عليه أفكار الفلاسفة والمتكلمين من كل الأصناف والفقهاء وعلماء اللغة وأصحاب الملل والنحل والمعتقدات غير الصحيحة الفاسدة، وكل ذلك يعرضه ويناقشه ويجمع منه موسوعة ضخمة، ويدل على ضخامتها أنها طبعت حديثا فى اثنين وثلاثين جزءا. واعترض على صنيعه الموسوعى بعض معاصريه متعجبا من اندماج علم الهيئة فى تفسيره ورد عليهم قائلا: ربما قال بعض الجهال والحمقى: إنك أكثرت فى تفسير كتاب الله من علم الهيئة، ورد عليه قائلا: إنك لو تأملت فى كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته من وجوه:

الأول: أن الله ملأ القرآن بالاستدلال على العلم والقدرة بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار، وذكر ذلك فى أكثر السور. فلو لم يكن البحث عن هذه الأحوال للتأمل فيها لما ملأ كتابه بها .

الثانى: أن الله قال: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ}(ق:6) وهو حثّ على التأمل فى كيف بناها .

الثالث: أن الله قال:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}(غافر:577) فبيّن أن عجائب الخلق فى أجرام السماوات أعظم مما فى أبدان الناس.

الرابع: أن الله مدح من يتفكرون فى خلق السماوات والأرض قائلا: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}(آل عمران:191)  ولو كان التفكر فى خلقها ممنوعا لما مدحه .

الخامس: أن من اعتقد فى دقائق الخلق كان اعتقاده أوفى فى معرفة عظمة الله وجلاله .

     ثم يقول: إن من اعتقد أن للكون صانعا صنعه ومحدثا خلقه كان فى زمرة المستدلين، ومن ضم إلى ذلك البحث عن أحوال العالم العلوى والسفلى كثرت دلالاته بما يقف عليه من أسرار الخلق الإلهى .

ونسلم له بأن فى القرآن إشارات كونية، ووجودها فيه لا يقتضى نقل علم الهيئة بحذافيره إلى التفسير بحيث ننسى التفسير ونعيش فى علم الهيئة طويلا أو فى غيره من أحوال الأرض ورؤية الفلك طافية على سطح الماء بما ينفع الناس وما ينزل الله من السماء من ماء يحيى الأرض بمختلف الزروع وما بث فيها من الدواب والرياح وسحب لحمل المطر إلى الأرض المجدبة كما قال تعالى فى سورة البقرة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(البقرة:164) .

     وإذا رجعنا إلى الفخر الرازى فى تفسير الآية وجدناه يكتب فيها عشرين صفحة من القطع الكبير إذ يدفعه ذكر خلق السموات إلى الحديث عن ترتيب الأفلاك ومعرفتها ودلالتها على الصانع فى عشر صفحات وبذلك خرج الرازى بالاية عن التفكير فى بدائع صنع الله فى الكون إلى عرض جانب من علم الهيئة، ويتركه إلى بيان أحوال الأرض لمجرد ذكرها فى الآية فيكتب فيها ثلاث صفحات كبيرة ويتسع فى الحديث عن الآيات العجيبة بعدها ودلالتها على صانعها. ونفاجأ بعد تفسير الآية لنقله فصلين من فصول التصوف فى عشرين صفحة:فصل عن معنى محبة الله وفصل عن معنى الشوق إلى الله .

>>الصفحة التالية>>

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة