×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

المعجزة العلمية - الشاطبى ورفض التفسير العلمى 1

لم يفكر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون أن القرآن يحمل علوما إنما الذى فكر فى ذلك علماء الأمة منذ القرن الخامس الهجرى، مما فتح الأبواب للتفسير العلمى الواسع، وقد حمل الشاطبى أبو إسحاق بن موسى الأندلسى ت970هـ حملة عنيفة فى كتابه الموافقات على هذا الاتجاه فى تفسير القرآن مقدما لذلك بأن العرب فى عصر الرسول كانوا أمة أمية وأن كثيرا من الناس تجاوزوا الحد فى الدعوى على القرآن، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف زعلم حساب الجمَّل وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها. وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ممن يليهم أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه ولم يبلغنا أن أحدا منهم تكلّم فى شىء من هذا المدّعى (يريد التفسير العلمى) سوى ما ثبت فيه من أحكام التكليف (يريد فروض الصوم والصلاة والحج والزكاة) وأحكام الآخرة (من البعث والحساب) وما يتصل بذلك. ولو كان لهم فى ذلك خوض ونظر لبلغنا إلا أن ذلك لم يكن، فدلّ على أنه غير موجود عندهم، وهو دليل على أن القرآن لم يُقصد فيه تقرير لشىء مما زعموا. وربما يستدلوا على دعواهم بقوله تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}(النحل:89) وقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }(الأنعام:38) ونحو ذلك وبفواتح السور و(علم الجمل الذى سموه علم الحروف وهى مما لم يعهد عند العرب)وما نقل عن الناس فيها، فأما الآيتان فالمراد بهما عند المفسرين فيما يتعلق بحال التكليف والتعبد(أى أن المراد بشىء من أمور الدين كما أسلفنا فى غير هذا الموضع).قال الشاطبى/ أو المراد بالكتاب اللوح المحفوظ فى قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } وأما فواتح السور (وهى الحروف المقطعة فى أوائلها مثل آلم) فقد تكلم الناس فيها بحساب الجمل الذى تعرّفوه من أهل الكتاب،وهى من المتشابهات التى لا يعلم تأويلها إلا الله. ولم يدع ذلك أحد من الصحابة والتابعين فلا دليل فيه على ما ادعوا من حساب الجمل. ويجب الاقتصار على ما أودع فى القرآن من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو فيه تقوَّل على الله  ورسوله .

 

      والشاطبى محق فى معارضة عند الأسلاف واحتجاجه فى ذلك واضح، لأن القرآن نزل على الرسول والعرب وهم أمة أمية لم تدرس العلوم ولا عرفت قوانينها،وأيضا لم تدرس علم الفلك ونظرياته القائمة على الفرض والتخمين، فحمل الآيات القرآنية عليها لا يستقيم .

      وهذا الإنكار الواضح للشاطبى للتفسير العلمى لم يقفه فقد ظل قائما عند أمثال الطبيب الإسكندرانى الذى ذكرناه فيما أسلفنا من الحديث وتوسع فيه الشيخ طنطاوى جوهرى، حتى ليبلغ تفسيره خمسة وعشرين مجلدا. وقلت إن تفسيره يحجب عنا القرآن ويجعلنا ننسى أنه كتاب هداية لعقيدة صحيحة بما تحمله من عبادات الله والأخلاق الحميدة والمعاملات العادلة وهو يحمل معها غيبيات كثيرة عن الملائكة والجن والشياطين والبعث والحساب ونعيم الجنة وعذاب النار ولا يملك المسلم إزاءها إلا الإيمان بها .

      وكثيرون يقولون: إن الله حشد فى القرآن عشرات الآيات الكونية، ومن واجب المسلم أن يفهمها حسب معطيات العلم فى كل عصر، لا على طريقة الرازى والجوهرى فى حشد المواد العلمية فى التفسير دون حاجة، بل على بيان الصلات الدقيقة بين الآيات الكونية وما جدّ فى العلم من نظريات فى خلق الكون،ويقولون: إن الله أمرنا بتحصيل المعرفة إن حواس الإنسان مسئولة عن كشفها: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً}(الإسراء:36) ودعا إلى النظر فى ملكوت السموات والأرض وفى بدء الخلق للإنسان مع تدبر آياته الكونية وما أبدع فيها من نظم، وحقا أنها تصور قدرة الله العظمى وحقا أيضا أنه من الممكن توجيهها مع معطيات العلوم الحديثة عن حقائق الكون،مع عدم التطرف فى هذا التوجيه بأن القرآن ليس كتاب علم وأنه لم ينزل على الرسول لتبليغ حقائق علمية .

 

وإنما أقول ذلك حتى لا تتحول الملاءمة بين آيات الله الكونية ومعطيات العلم الحديثة عن حقائقها الكونية إلى بحوث فى مظريات مطولة فى أصل الكون ونشأته وفى أصل خلق الإنسان وقد أشار الله فى سورة الأنبياء إلى أن السموات والأرض كانتا جسما متلاصقا واحدا ثم انفصلتا فى قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا }(الأنبياء30)أو جسما واحدا متلاصقا فى نشأة الكون،ثم يقول الله {فَفَتَقْنَاهُمَا }أى فصلناهما بالأمر الإلهى "كن" ونكتفى بهذا الفهم الواضح للآية، ولا داعى لإضافة حدوث انفجار فى الكون ترتب عليه هذا الانفصال. وفى سورة فصلت بعد قول الله إنه خلق الأرض فى يومين وقدر لها أقواتها فى أربعة أيام {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }(فصلت:11) أى انهما استجابا إلى مشيئة الله فى تكوينها عن طاعة. والدخان: ما يتصاعد من الوقود عند اشتعال النار فيه. وهو تصوير إلهى لما كانت عليه السماء فى بدء الخلق للكون وأنها كانت مثل الدخان، وفى الحديث النبوى أن الكون كان عماء أى ظلام واستحال جزء من هذا الظلام أو هذا الدخان سماءً، وجزء ثان استحال أرضا .

>>الصفحة التالية>>

 

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة