3 -   مناسك الحج  السعى بين الصفا والمروة :

وإذا أنتهى الحاج من طواف القدوم خرج إلى الصفا وسعى بينه وبين المروة سبعة أشواط ، يبدأ بالصفا وينتهى بالمروة . والسعى بينهما مظهر من مظاهر الالتجاء والتردد بجانب بيت الله -  بعد الطواف به -  طلباً للمغفرة ، والتماساً للعفو . وفيه بعد ذلك ، استحضار لذكر الحالة التى التى كانت عليها السيدة هاجر وهى تطلب الماء والسقيا لها ولولدها إسماعيل ، فعرفت منبعه وقضت به حاجاتها ، ثم كان سبباً في عمارة هذا الإقليم وامتلائه  خيراً وبركة . والله قبل هذا وذاك أن يتعبد عباده بما يشاء بعد أن سكنت قلوبهم إلى أنه المعبود ، كما تعبدنا في الصلاة بالاتجاه إلى الكعبة ، وفى الدعاء إلى السماء .

لقد كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة حدثا كبيراً وامتحانا عسيرا وزلزالا خطيرا اهتزت له القلوب والعقول، فثبت من ثبت على الإسلام والإيمان، وكانت علامة الحق والإيمان هى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما تحول صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى المسجد الحرام فى صلاته تحول صادقو الإيمان كما تحوَّل اتباعا منهم له .

        ولقد كان اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فى تحوله من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة هو العلامة الفارقة والكاشفة لضعاف الإيمان والمنافقين، هؤلاء هم الذين انقلبوا على أعقابهم ولم يتبعوا الرسول فى التحول من بيت المقدس إلى المسجد الحرام فرجعوا إلى الكفر، وانكشف أمر المنافقين فعَلِم المؤمنون من تحويل القبلة من هو الثابت على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هو المنافق الذى قلبه هذا الاختبار على عقبيه وكشف أمره بعدم اتباعه للرسول، وكان المنافقون مع المؤمنين يتساوون لقيامهم جميعا بالأعمال الظاهرة المطلوبة لا تستطيع أن تميز بين صادق الإيمان من المنافق، فجاء تحويل القبلة ليكشف ويفرق بين الصادق من الكاذب والمعيار للتفريق بينهما هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أو عدم اتباعه .

قبلة بيت المقدس توجه إليها النبى ورآها بعينه

فقبلة بيت المقدس التى كان عليها النبى صلى الله عليه وسلم ويتعبد لله فى التوجه لها وهو بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة نقله الله إليها ليراها رأى العين وذلك ليلة الإسراء والمعراج وصلى إماما بمن سبقه من الأنبياء مَنْ توجَّه منهم إلى بيت المقدس ومن لم يتوجه كما جاء فى السنة الصحيحة التى ينكر الجاهلون والذين يهرفون بما لا يعرفون صلاته بالأنبياء والمرسلين فى المسجد الأقصى .

        وأكثر من ذلك بجاحة وصفاقة وعمالة افترائهم وكذبهم أنه لم يكن هناك فى فلسطين بشىء اسمه المسجد الأقصى .

هشام بن عروة

 

 يقول الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم - : {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف: 199 :200)

   الأخلاق قوة نفسية يتصف بها الإنسان ويستطيع بها القيام بالأفعال الطيبة ويلزم نفسه بالآداب الحسنة وهذا ما يسميه الناس (خلق) .

   يقول عبد الله بن المبارك فى تفسير الآية السابقة : ما نزلت {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} إلا فى أخلاق الناس وأكد علماء القرآن أن هذه الآية أجمع آيات القرآن لمكارم الأخلاق ، ففى قوله تعالى {خُذِ الْعَفْوَ } تشمل أمراً بصلة من قطعك والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين وكل ما يدخل من مكارم الأخلاق ، وفى قوله تعالى : {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } تشمل صلة الرحم ، وغض الأبصار وتقوى الله فى كل وقت والبعد عن مواطن الشبهات ، والإستعداد ليوم القيامة ، أما قوله تعالى : {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } فعليه أمر بالتوجه للعلم ، فمن أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم . يعرف الإنسان الحلال والحرام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيعرض عن الجاهلين ويتمسك بكل ما هو من الخلق والدين ، ويقول علماء التفسير إن العفو فى الآية الكريمة هو الفضل وما جاء بدون تكلف أو تصنع ، ومعنى الآية أن تقبل من أخلاق الناس الميسور لديهم ولا تطالب بالصعاب فتتولد العداوة والبغضاء {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } يعنى بكل ما أمرك به الله ، والعرف أو المعروف كل شىء حسن يقبله العقل وتطمئن إليه النفس  {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } يعنى إذا أمرتهم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر وأقمت عليهم الحجة ثم جهلوا عليك فأعرض عنهم ولا تنزل لمنزلة الجاهلين .

عن عائشة قالت :

(( دعا النبى صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته فى شكواه التى قُبض فيها ، فسارَّها بشىءٍ ، فبكتْ ، ثم دعاها ، فسارَّها ، فضحكتْ .

قالت : فسألتها عن ذلك،فقالت : سارّنى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرنى أنه يُقبضُ فى وجعه الذى تُوفى فيه ، فبكيتُ ، ثم سارّنى فأخبرنى أنى أوّلُ أهل بيته أتبعُه فضحكتُ . ))

[ أخرجه البخارى ]

ها هنا الحبّ الذى ليس كمثله حبّ حين أخبرها أنه يُقبض فى وجعه ذاك ، بكتْ ـ وبكاء الزهراء ، غير بكائنا ، نحن العوام ..

إنه شىء ، يناسب مقامها ، ويتوازى مع مستواها ..

وحين أخبرها أنها اول اهل بيته تتبعه ، ضحكتْ

أرأيت ؟ إنها تضحك .. لأنها سوف تموت !!

ألم أقل لك إنّ بكاءها وضحكها ، شىء أعلى من إدراكنا ؟!!

 

أخبرنى بموته فبكيت :

عن عائشة :

(( أن رسول الله دعا فاطمة ابنته ، فسارَّها ، فبكتْ ثم سارَّها ، فضحكتْ

فقالت عائشة : فقلتُ لفاطمة ما هذا الذى سارّكِ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيتِ ، ثم سارَّكِ ، فضحكتِ ؟

قالت : سارّنى .. فأخبرنى بموته ، فبكيتُ ، ثم سارّنى فأخبرنى أنِّى أوَّلُ من يتبَعُه من أهله ، فضحكتُ  )) .

[ أخرجه مسلم ]

السمْت ، والدلّ ، والهدى : معناها الهيئة والطريقة وحسن الحال .

البَذِرَة ، مؤنث بذر : وهو الذى يفضى بالسر وينشر ما يسمعه ولا يستطيع كتمه .

هى أشبه الناس به ، فى هيئتها ، وطريقتها ، وحسن حالها .

ليست تشبهه فى مشيته وحدها وإنما فى كل شىء من أمره .

كما كان يصنع بها إذا دخلت عليه كانت تصنع به إذا دخل عليها .

طبق الأصل كما نقول الآن ( إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبّلها واجلسها فى مجلسه ) هذا ما يصنع بها فهل كانت تصنع به كذلك ؟

نعم طبق الأصل ( وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبّلته وأجلسته فى مجلسها )

فكِّر معى فى هذا التشابه بل فى هذا التطابق تفهم كثيراً من أنوار القضية .

وها هى تُقبل عليه هذه المرة ، فهل قام إليها كما كان يصنع بها كل مرَّة ؟

إن حالة المرض لها حكم آخر ( فلما مرض النبى صلى الله عليه وسلم دَخَلتْ فأكبّتْ عليه فقبّلتْهُ )

هذه أشرف قُبْلةُ حبّ فى التاريخ ابنة رسول الله تُقَبِّل رسول الله !!

لم يقم إليها هذه المرة فقَبّلها ، ولكن هى أكبّتْ عليه !!

النظر إلى المخطوبة :

  أورد الإمام البخارى – رضى الله تعالى عنه – ما روى عن السيدة عائشة أم المؤمنين – رضى الله تعالى وعن أبيها – أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريتك فى المنام يجىء بك الملك فى سرقة من حرير، فقال لى: هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هى، فقلت: ان يك هذا من عند الله يمضه "[1] .

   وعن سهل بن سعد: ان امرأة جاءت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسى. فنظر إليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها بشىء جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: أى رسول الله، ان لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها .. الحديث[2].

   وعن محمد بن مسلمة – رضى الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ألقى الله عز وجل فى قلب امرىء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها"[3] .

   وقد روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" قال جابر رضى الله تعالى عنه فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعانى إلى نكاحها فتزوجتها " .

  ولما كانت العجوة خصوصا عجوة العالية ـ شفاءٌ، وهى تحمل عنصرَ الشفاء، لذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يوصفها لبعض المرضى مع أن أمراضَهم مختلفة، وقد تعدد هذا منه صلى الله عليه وآله وسلم .

  ومن فضائل تمر المدينة ـ وهو من فضائل المدينة نفسها ـ أن جعل العجوة منه من الجنة من فاكهة الجنة، وهذا كله فضل وكرم من الله تعالى .

  ـ فقد مر حديث أبى هريرة رضى الله عنه، والذى فيه (العجوة من الجنة وهي شفاء من السم) رواه أحمد والترمذى ـ وصححه ـ والطيالسى والنسائى فى الكبرى وابن ماجه، والدارمى .

الصفحة 1 من 2

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة