×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 390

الشبهات المثارة حول السنة النبوية

الشبهات المثارة حول السنة النبوية (81)

لقد كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة حدثا كبيراً وامتحانا عسيرا وزلزالا خطيرا اهتزت له القلوب والعقول، فثبت من ثبت على الإسلام والإيمان، وكانت علامة الحق والإيمان هى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما تحول صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى المسجد الحرام فى صلاته تحول صادقو الإيمان كما تحوَّل اتباعا منهم له .

        ولقد كان اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فى تحوله من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة هو العلامة الفارقة والكاشفة لضعاف الإيمان والمنافقين، هؤلاء هم الذين انقلبوا على أعقابهم ولم يتبعوا الرسول فى التحول من بيت المقدس إلى المسجد الحرام فرجعوا إلى الكفر، وانكشف أمر المنافقين فعَلِم المؤمنون من تحويل القبلة من هو الثابت على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هو المنافق الذى قلبه هذا الاختبار على عقبيه وكشف أمره بعدم اتباعه للرسول، وكان المنافقون مع المؤمنين يتساوون لقيامهم جميعا بالأعمال الظاهرة المطلوبة لا تستطيع أن تميز بين صادق الإيمان من المنافق، فجاء تحويل القبلة ليكشف ويفرق بين الصادق من الكاذب والمعيار للتفريق بينهما هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أو عدم اتباعه .

قبلة بيت المقدس توجه إليها النبى ورآها بعينه

فقبلة بيت المقدس التى كان عليها النبى صلى الله عليه وسلم ويتعبد لله فى التوجه لها وهو بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة نقله الله إليها ليراها رأى العين وذلك ليلة الإسراء والمعراج وصلى إماما بمن سبقه من الأنبياء مَنْ توجَّه منهم إلى بيت المقدس ومن لم يتوجه كما جاء فى السنة الصحيحة التى ينكر الجاهلون والذين يهرفون بما لا يعرفون صلاته بالأنبياء والمرسلين فى المسجد الأقصى .

        وأكثر من ذلك بجاحة وصفاقة وعمالة افترائهم وكذبهم أنه لم يكن هناك فى فلسطين بشىء اسمه المسجد الأقصى .

إن المسلم فى بناء شخصيته لا يدؤها من فراغ كما أنه لم يقم أساسها الأول على فراغ وإنما يقيمه على العقيدة الصحيحة المتمثلة فى الإيمان بالله. فكذلك فى تكوين شخصيته الإسلامية إنما يبدؤها سلوكاً وتطبيقاً من الكتاب والسنة متخذاً أسوته الحسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى "؟ فالواجب على المسلم أن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم اقتداء واهتداء، قال الله تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} .

ولقد ذكر الثرآن الكريم الصفات الأساسية التى تكون صورة واضحة الملامح لشخصية المؤمن كما أرادها الله تعالى وهى الصورة التى تمثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن خلقه القرآن ولأن الله تعالى قد أدبه فأحسن تأديبه أخرج النسائى: أن السيدة عائشة رضى الله عنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان خلقه القرآن ثم قرأت {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} وقالت: هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم. تلك هى السمات الشخصية الإسلامية تأتى على قمتها صفة الخشوع فى الصلاة {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } .

إن مدار الإنكار هو الظن فى ثبوتها بحيث لا تقف أمام القرآن المقطوع لصحته ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى الله عز وجل .

          وقال ابن حزم[1]: لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه فى الشرائع نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة الرسول فيما أمرنا به صلى الله عليه وسلم ووجدنا أن الله عز وجل يقول فى القرآن الكريم واصفاً لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النجم: 3، 4) فصح لنا بذلك ان الوحى من الله تعالى ينقسم إلى قسمين:أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن، والثانى: وحي مروي منقول غير معجز ولا متلو لكنه مقروء وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المبيِّن عن الله عز وجل مراده منا قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ }(النحل: 44)، ووجدنا أن الله قد أوجب طاعة هذا القسم الثانى كما اوجب طاعة القسم الأول الذى هو القرآن ولا فرق فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ }(المائدة: 92) فكانت الأخبار التى ذكرناها أحد الأصول الثلاثة التى ألزمنا طاعتها فى الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن أخرها وهى قول الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ }(النساء: 59) فالقرآن هو الأصل الأول، والأصل الثانى هو الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأصل الثالث هو الإجماع المنقول حكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم قال ابن حزم فلم يسع مسلماً يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر المروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يأبى عما وجد فيهما فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة فهو فاسق وأما من فعله مستحلاً للخروج عن أمرهما وموجباً لطاعة أحد دونهما فهو كافر ولا شك عند نافى ذلك، وقال فى موضع آخر: لو أن امرءاً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا فى القرآن لكان كافر بإجماع الأمة .

          ولمكانة السنة من الدين ومنزلتها من القرآن الكريم فقد عنى الصحابة بالأحاديث النبوية عناية فائقة وحرصوا عليها حرصهم على القرآن فحفظوها بلفظها أو بمعناها وفهموها وعرفوا مغازيها ومراميها بسليفتهم وفطرتهم العربية وبما كانوا يسمعونه من أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وما كانوا يشاهدون من أفعاله وأحواله وما كانوا يعلمونه من الظروف والملابسات التى قيلت فيها هذه الأحاديث. وما كان يشكل عليهم منها ولا سدركون المراد منه يسألون عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بلغ من حرصهم على سماع الوحى والسنن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتناوبون فى هذا السماع. روى البخارى فى صحيحه عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فال: " كنت أنا وجار لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد وهى من عوالى المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوماً وأنزل يوماً فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك " الحديث[1] .

        أما الحديث الذى يرويه القائلون بعدم استقلال السنة بالتشريع وهو:  إذ جاءكم عنى حديث فأعرضوه على كتاب الله فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه فقد بين أئمة الحديث وصيارفته أنه موضوع مختلف على النبى صلى الله عليه وسلم وضعته الزنادقة كى يصلوا إلى غرضهم الدنىء من إهمال الأحاديث وقد عارض هذا الحديث بعض الأئمة فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فوجدناه مخالفاً له لأنا وجدنا فى كتاب الله {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ووجدنا فيه {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } وهكذا نرى أن القرآن الكريم يكذب هذا الحديث ويرده .

        وقد اتفق العلماء الذين يعتد بهم على حجية السنة سواء منها ما كان على سبيل البيان أو على سبيل الإستقلال قال الإمام الشوكانى: (إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخاف فى ذلك إلا من خلط له فى الإسلام) وصدق الشوكانى فإنه لم يخالف فى الإحتجاج بالسنة إلا الخوارج والروافض فقد تمسكوا بظاهر القرآن وأهملوا السنن فضلوا وأضلوا وحادوا عن الصراط المستقيم .

        وقد استفاض القرآن والسنة الصحيحة الثابتة بحجية كل ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }(آل عمران: 31)، وقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}(النساء: 59) قال ميمون بن مهران: الرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه فى حياته وإلى سنته بعد وفاته، وقال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }(النساء: 65)، وقال جل شانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ..}(النساء: 80) فقد جعل سبحانه وتعالى طاعة الرسول من طاعته وحذر من مخالفته فقال عز شأنه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }(النور: 63) .

        وقد تستقل السنة بالتشريع أحياناً وذلك كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وتحريم سائر القرابات من الرضاعة – عدا ما نص عليه القرآن إلحاقاً لهن بالمحرمات من النسب – وتحريم كل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير وتحليل ميتة البحر والقضاء باليمين مع الشاهد إلى غير ذلك من الأحكام التى زادتها السنة على الكتاب .

 

        القرآن الكريم هو الأصل الأول للدين والسنة هل الأصل الثانى ومنزلة السنة أنها مبينة وشارحة له تفصل مجمله وتوضح مشكله وتقيد مطلقه وتخصص عامه وتبسط ما فيه إيجاز قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }(النحل: 44)، وقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}(الشورى: 52، 53)، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يبين ما فى القرآن تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بهما، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه فسر الظلم فى قوله تعالى {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ }(الأنعام: 82) بالشرك، وفسر الحساب اليسير بالعرض فى قوله سبحانه {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا}(الإنشقاق: 7 -9) .

        كما يدل عليهقوله سبحانه: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }(الحجر: 9) ولو كانت السنة حجة ودليلاً مثل القرآن لتكفل الله بحفظها أيضاً: هكذا قال المتشككون .

 

الجواب على هذه الشبهة المذكورة

        أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الشريعة كلها: كتابها وسنتها كما يدل عليه قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }(التوبة: 32) ونور الله شرعه ودينه الذى ارتضاه للعباد وكلفهم به وضمنه مصالحهم والذى أوحاه إلى رسوله من قرآن أو غيره ليهتدوا به إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة .

الصفحة 3 من 6

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة