السيرة النبوية دراسة تحليلية للعهدين المكي والمدني

السيرة النبوية دراسة تحليلية للعهدين المكي والمدني (126)

سفر عبد الله فى تجارته إلى الشام ومحمد صلى الله عليه وسلم جنين فى بطن امه.

وكان عبد الله بن عبد المطلب يعيش على سنه آبائه الاماجد تاجرا سفارا يذهب مع تجار قريش فى عيراتها إلى أسواق العرب ومتاجر اليمن والشام ولم يكن واسع الثراء كأصحاب المضاربات والمرابين من تجار قريش ولم يكن فقيرا يقعده الفقر عن أسباب الكسب والعمل للحياة من  أشرف طرائقها ولا سيما بعد زواجه فقد أصبح مسئولا عن بيت فيه زوجته التى وجب عليه أن يعولها ويقوم على واجباتها وقد شعر بهذا شعورا ملك عليه احاسيسة حتى أنه لم يمهله فى أشهر الروايات ان يقيم ألى جانب زوجته بعد أن بني بها أكثر من أيام معدودات ثم أذن مؤذن العير بالرحيل إلى الشام  للتجارة فخرج مع قومه مودعا من أبيه الشيخ الأسيف وزوجته الحبيبة على جدة عهده بها وإخواته وهم يرقبون عودته.

من أغرب روايات المعترضة.

واغرب روايات المتعرضات رواية تذهب إلى أن عبد الله بن المطلب كانت له زوجة مع آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الزوجة هى التى عرضت عليه نفسها او هو كان قد طلبها فأبطات عليه فذهب إلى زوجه آمنه روى الطبرى عن محمد بن إسحاق ان عبد الله دخل عل امرآة كانت له مع آمنه بنت وهب وقد عمل فى طين له وبه ىثار من الطين فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين فخرج عنها فتوضأ[1] وغسل عنه ماكان به من أثر ذلك الطين وعمد إلى آمنه فدخل عليها فأصابها فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم مر بامرآته تلك فقال هل لك؟ فقالت لا مررت بى وبين عينك غرة فدعوتني فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها وهذه رواية تبدو عليها آثار الصنعه ويظهر أن صانعها وضعوها دفعا لما تضافرت عليه الروايات من أن امرآة عرضت نفسها على عبد الله قبل زواجه بآمنه بنت وهب ان يستبضع منها والاستبضاع نكاح الجاهلية معروف يقصد به نساؤهن الإنجاب ممن يرين عليه مخايل النجابة فكان واضعى هذه الرواية أرادوا المبالغة فى تطهير  والد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يراد لهذا النكاح الذميم يرجح هذا قول ابن كثير فى تاريخه وقد كانت أم قتال رقيقة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل توسمت ماكان بين عينى عبد الله قبل أن يجامع آمنه من النور فودت أن يكون ذلك متصلا بها لما كانت تسمع من اخيها من البشارات بوجود محمد صلى الله عليه وسلم وأنه قد أزف زمانه فعرضت نفسها عليه قال بعضهم لتزوجها وهو أظهر بان الرواه والمؤرخين يذكرون هذه الاقصوصة على انها رواية مستقلة فى بيان الطريقة التى وصلت بعبد الله أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إى زواج آمنه أمه – عليه الصلاة والسلام .

ومهما يكن من شأن هذه الروايات فإن عبد الله بن عبد المطلب بني بزوجه آمنه وهب سيد بني زهرة فى أهلها فاقام عندها ثلاثا وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الراجل على امرأته فى أهلها .

 

[1] - الوضوء هنا بمعناه الوضوء اللغوي وهو النظافة التى تجعل البدن كانه مضئ

قتائل قد ميثت[1] له بدهان وروى ابن سعد  فى الطبقات قصة الخثعمية وذكر البيتين المنسوبين لعبد الله دون ان يذكر فيها الشطر الأخير من البيت الثاني وكان هذا أشبه اما الشعر المنسوب إلى الخثعمية فهو شبيه بموضعه وفى بيتها الأخيرين توضيح يشبه أن يكون طبيعيا لدوافع الرغبة فى عبد الله بن عبد المطلب فهو شاب مشبوب الحيوية خصيب البدن ريان الدم قوى البنيان جميل المحيا باهر الطلعة لايرى فى قريش فتى أحسن منه قامة ولا اوسم وسامة ولا احلى منه منظرا ولا أعدل منه قدا ولا أملح منه وجها ولا أرفع منه حسبنا ولا اعرق منه نسبا واما  حديث النور الذى تقول الرواية إن النوة المعترضات له رأينه فى وجهة فطلبن منه ما طلبن من أجلة فهو قد يكون حديث الرغبة العارمة التى حركتها المناسبة فى حادث الذبح والفداء فتخيلت رواء الشباب وإشراق الجمال وفخر الاحدوثه بهذا الحادث الفريد نورا يبهر وغرة تسطع وليس بعجيب أن يكون عبد الله الولد رسول الله صلى الله عليه وسلم تميز بجمال فوق اقرانه وحسن فوق حسن لذاته [2]

رأى أخر فى المرآة المتعرضة:

قال ابن كثير فى البداية والنهاية من طريق أبي بكر الخرائطي عن ابن  عباس لما أنطلق عبد المطلب بابنه عبد الله ليزجه مر به على كاهنة من أهل تباله متهودة قد قرأت الكتب يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية فرأت نور النبوة فى وجه عبد الله فقال : يافتي هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الإبل فقال عبد الله :

اختلاف الروايات فى المرآة المتعرضة.

قال ابو جعفر الطبير وعبد الملك بن هشام ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد وعبد الله فمر فيما يزعمون على امرآة من بني أسد يقال لها ام قتال واسمها رقيقة أو قتيله بنت نوفل بن أسد بن عبد عبد العزي وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد وهى عند

قصة المتعرضة لعبد الله عبد المطلب.

كان من الطبيعي فى بيئة قريش ومكة وحرمها بعد حادث نذر عبد المطلب وما انتهت إليه قصة الذبيح أن يستشرق كثيرات من النبوة إلى عبد الله بن عبد المطلب ليكون لهن وينجبن منه فهو انهد شباب الحرم واشب ما يكون فتى فى فتيان مكة واحمل رجال  قريش وانضرهم وهو المختار لذلك الحادث الخطير الذى كان حديث قريش ومكة كلها فى محافلها وبيوتها وإلى جانب ماكان يتناقله المحدثون فى مجالس السمر ومحافل الملأ من أنباء وبشارات تلقفها التجار والسمار والمتألهون من أفوة الاحبار والرهبان وقارئ كتب الأقدمين عن نبي يبعث من العرب قد اظل الناس زمانه ومن أجدر بالنبوة وهي منصب ديني من قريش قطان الحرم وجيران البيت ؟ ومن أحق بها فى قريش من بني عبد المطلب وهم أصحاب مراتب الشرف الدينى فى الحرم ؟ بل من احرى بها يحمل نورها من هذا الفتي الذى اختارته الغدارة العليا قربانا وزلفى؟ والنساء ابدا مولعات بالغرائب والفرائد فليس من المستغرب ان تعرض امرآة او أكثر نفسها على عبد الله الذبيح عقب نجاته وفدائه ولكن الله الذى ادخر ما حمل عبد الله من شرف نوارئي ونور قدسي لأشرف عقائل وقريش آمنة بنت وهب هو الذى صانه عن الاستجابة إلى من تعرض له منهن

ويذهب ابن سعد فى الطبقات إلى ان سن عبد الله بن عبد المطلب يوم وفاته كانت خمسا وعشرين سنه وهو يصرح بان وفاته كانت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حمل فى بطن امه ويتفق مع سائر الرواة فى أن الحمل برسول الله صلى الله عليه وسلم عقب تزوج أبيه بأمه وعلى ذلك تكون سنه وفاة عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم هى سنة تزوجه بامه فتكون سنه – على هذه الرواية حين تزويجه همسا وعشرين سنة .

سن عبد الله بن عبد المطلب عند زواجه.

كانت سن عبد الله بن عبد المطلب يوم محنة الذبح سن شاب أقرب إلى الحداثة ولكنها الحداثة الفارغة التى تسبق إليها الرجولية فى سرعة مستعجلة وهي سنه يوم أن خطب له أبوة آمنة بنت وهب ويوم أن بني بها فحملت برسول الله عليه وسلم وتزويج هذا الصنف من الفتيان فى هذه السن المبكرة يكون إما من قبيل التدليل والترف الناعم تزيدا فى

لمعات القدر من وراء الغيب اضاءت للشيخ الظلام.

لكن القدر المسيطر على منافذ الحياة كان أسرع من خوالج عبد الله الذبيح وهواتف عبد المطلب وعزيمته وتضرعات ابنائه ودموع بناته وكان ضوءا ساطعا لمع فجاءة فأنار زوايا نفس الشيخ الأسيف وكشف عن بصريته وهو آخذ بيد ابنه الحبيب وفى يده الأخرى الشفرة المشحوذة يمشى به خطي متثاقلة الى مذبح قريش يحدث نفسه والهم القاصم يعتلج

تزويج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة .

تصوير لخوالج عبد الله بن عبد المطلب وقد تمثل له موقف الذبح بيد أبيه.

وصلت قصة الذبيح إلى هذه النهاية لتبدأ بها قصة الحياة فى صورة أكبر من عبد المطلب ونذره وسوائمه فى الحرم واكبر من قريش وزمزم تلك  هي القصة التأذن بميلاد الإنسانية وتجديدها فى أكمل صورة من صلة السماء بالأرض.

الصفحة 1 من 9

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة