الحكمة في كون هذه الرحلة إلـى بيت المقدس

طريق الوصول إلـى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

بقلم

أ.د/ محمد محمود أحمد هاشم

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر

وعضو مجمع البحوث الإسلامية

الحكمة في كون هذه الرحلة إلـى بيت المقدس:

إشارة إلى أن الأديان السماوية جميعها مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً وذلك لأن بيت المقدس كان مهبطاً للوحي وكان موطناً للأنبياء الذين سبقوا الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وكان هو النبي الخاتم لجميع الأنبياء أراد الله أن يربط الحاضر بالماضي وأن يبين أن الأديان كلها مرتبطة ببعضها ، وأنها كلهاتخرج من مشكاة واحدة وأن هؤلاء الأنبياء السابقين إنما كانوا تجهيزاً لرسالة سيدنا محمد ولنبوته.

وأيضاً جاء في القرآن الكريم : أن الله سبحانه وتعالى قد أخذ على النبيين ميثاقاً في الأزل بالإيمان بسيدنا محمد عند بعثته وتأييده ونصره وتصديقه، فلتحقيق هذا الميثاق أحياهم الله اليمن في هذه الليلة في المسجد الأقصى للإيمان بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وتصديقه والصلاة  خلفه قال تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ }([1])  .

 

وكانت الغاية من الرحلة كما حدث القرآن الكريم بقوله تعالى : {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيرى في هذه الليلة كثيراً من الآيات والمعجزات والأمور الخارقة ، وأمورًا كثيرة من الغيبيات التي لم يطلع عليها أحد من قبله ولا بعده، وأكبر هذه الآيات هي رؤية ربه وخالقه ، ولذلك ذيل الآية بقوله: { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} هما صفتان لله سبحانه وتعالى ، وأن الضمير في قوله إنه يعود على رب العزة سبحانه وتعالى ،  وقد سمعت رأياً آخر عن بعض علماء الصوفية([2]) ، إن هاتين الصفتين تعودان على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا أن الضمائر التي قبل الضمير تعود على سيدنا رسول الله وهي كلمة عبده ولنريه ، ثم عطف عليها إنه هو السميع البصير والمعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ قبل ذلك صفتين من صفات الله وهما الرؤوف الرحيم  قال تعالى : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }([3]).

وفي هذه الليلة وهي ليلة الإسراء والمعراج تجلى الله سبحانه وتعالى على نبيه بهاتين الصفتين السميع البصير ، وذلك لأنه سيرى ربه في هذه الليلة وسيكلمه بغير واسطة وسيسمع منه بغير واسطة فألقى الله عليه سمعاً من سمعه يسمعه به ، وبصراً من بصره ليراه به ، وهذا المعنى يخرج موضوع رؤية الله عن الجدل الذي أثير حوله ، هل الرؤيا بعين بصره أم بعين رأسه ؟ أم بقلبه ؟ وشروط الرؤيا أن يكون الرأي في جهة المرئى ، وأن يكون في حيز وهذه الأمور تستحيل على الله تعالى فلذلك أنكر كثير من العلماء رؤية الرسول لربه ليلة المعراج استناداً إلى هذه الآراء ، ولكننا إذا مشينا على هذا المعنى لما كان هناك خلاف لأن الرؤيا والتحدث خرجاً عن دائرة الإنسانية والبشرية وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم يرى ربه ويبصره ببصر الله الذي لا يعلم كنهه إلا هو ، ويسمعه بسمع الله الذي لا يعرف كنهه إلا هو أيضاً فخرج الموضوع عن دائرة البشرية والإنسانية وعن نواميس الطبيعة في هذه الحياة الدنيا إلى طور الأمور الخارقة والغيبيات التي لا جدال للعقل فيها وفي كنهها ، وقد قال أحد العلماء إن هذه الرؤية لم تقع في الدنيا بل وقعت في الآخرة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من دائرة المكان والزمان ووجد الأزل والأبد آناً واحداً ورأى أهل الجنة الذين يدخلونها بعد ألوف السنين .

ولقد ذكر القرآن الكريم هاتين المعجزتين فقد تحدث القرآن الكريم عن معجزة الإسراء قال تعالى:{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}([4])

وتحدثت القرآن الكريم عن المعراج في سورة النجم قال تعالى :{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى {1} مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى {2} وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى {5} ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى {6} وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى {7} ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى {8} فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى {9} فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى {10} مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى {11} أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى {12} وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى {13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى {14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى {15} إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى {16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى {17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى {18} } ([5])

 

[1]) سورة آل عمران الآية 81

[2]) المغفور له الشيخ / حسن أحمد هاشم

[3]) سورة التوبة الآية 128

[4]) سورة الإسراء الأية 1

[5]) سورة النجم من الأية1 إلى الآية 18                                                                     

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة