الهجرة النبوية1

طريق الوصول إلـى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

أ.د/ محمد محمود أحمد هاشم

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهروعضو مجمع البحوث الإسلامية

الهجرة النبوية

وظل الكفار أمام بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الصباح فلما استيقظ عليَ بن أبي طالب جن جنونهم وعرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من بين أيديهم وتعجبوا من أمر التراب الذي كان على رؤسهم ، وقد مر بهم رجل فقال لهم ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً ، قال : خبتم وخسرتم ، قد مر والله بكم وذر على رؤسكم التراب ، قالوا والله ما أبصرنا وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ([1]).

وعندما أفاقوا جن جنونهم واشطاطوا غضباً وغيظاً وذهبوا إلى دار أبي بكر .

 

قالَ ابن إسْحَاقَ: فَحُدّثْت عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنّهَا قَالَتْ لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ فَخَرَجْت إليهم فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوك يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ قُلْت: لَا أَدْرِي وَاَللهِ أَيْنَ أَبِي. قَالَتْ فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي([2])([3]).

ثم خرجت قريش كلها في كل طريق لتتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم من فطنته وتخطيطه  ذهب في طريق عكس طريق المدينة فذهب إلى الجنوب الغربي من مكة وهو طريق اليمن ، ودخل الغار ومكث فيه وهذا الغار يبعد عن مكة حوالي خمسة كيلو متر تقريباً ، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار ولما يئست قريش من العثورعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا بمن يتبع أثر الأقدام وكانت عند العرب فراسة معرفة أثر الأقدام، وفجاؤوا بالمتخصصين في هذا الأمر وتتبعوا أثر الرسول صلى الله عليه وسلم وقدم أبي بكر الصديق ، وإذا بالأقدام تنتهي عند باب الغار ، وهنا تتجلى القدرة الإلهية ، ويرسل الله جنوداً من عنده هي في أعيننا قد نراها ضعيفة ، ولكن الله سبحانه وتعالى قد أعطاها من القوة بحيث كانت أقوى من المشركين .

وكما يقول الإمام البوصيري:

فالصِّدْقُ في الغار والصِّدِّيقُ لم يرما

وهم يقولون ما بالغار مــــــــن أرم

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت علــى

خير البرية لم تنسج ولم تحـــــــم

وقاية الله أغنت عن مضاعفـــــــــةٍ

من الدروع وعن عالٍ من الأطـــــُم

فعندما أقبل القوم واقتربوا من الغار أرسل الله العنكبوت فنسجت خيوطها وأنبت الله شجرة على فم الغار وأمر  الله حمامتين باضتا في فم الغار ، ولما قرب القوم من الغار  فرأوا هذا المنظر استبعدوا أن يكون الغار قد دخله أحد من زمن بعيد .

روى الإمام ابن سعد في طبقاته : قال :  " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْغَارِ أَمَرَ اللَّهُ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَتَرَتْهُ ، وَأَمَرَ اللَّهُ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَى وَجْهِهِ فَسَتَرَتْهُ ، وَأَمَرَ اللَّهُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا بِفَمِ الْغَارِ ، وَأَقْبَلَ فَتَيَانُ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ بِأَسْيَافِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ وَهِرَاوَاتِهِمْ([4]) حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْرَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا ، نَظَرَ أَوَّلُهُمْ فَرَأَى الْحَمَامَتَيْنِ ، فَرَجَعَ ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : مَا لَكَ لَمْ تَنْظُرْ فِي الْغَارِ؟ قَالَ: رَأَيْتُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ بِفَمِ الْغَارِ فَعَرَفْتُ أَنْ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ ، قَالَ: فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ دَرَأَ عَنْهُ بِهِمَا . ([5])

وعندما قرب الكفار من الغار خاف سيدنا ابو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يبصره الكفار كما جاء في الصحيحيين عَنْ أَنَسٍ , أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ , أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مَعَهُ فِي الْغَارِ قَالَ : " لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ([6])

وفي موقف الغار تتجلى عناية الله سبحانه وتعالى ، ويتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بالأسباب وإذا انقطعت الأسباب وأصبح الأمر خارج قدرته , تدخلت قدرة السماء ومنعته وعصمته وذلك يتضح فى موقف خروجه من بيته وهم متربصون له أمام داره , ويتضح أيضاً فى موقف وجوده داخل الغار وهم لا يبصرونه ولا يرونه , وكان السبب فى تضليلهم أضعف جنود الله سبحانه وتعالى وهما العنكبوت والحمام .

 

[1]) الطبقات الكبرى لأبن سعد 1/154

[2]) القرط : الحلق

[3]) سيرة بن هشام 2/225

[4]) الهرواة : عصاة غليظة

[5]) الطبقات الكبرى لأبن سعد 1/154

[6]) السيرة النبوية للذهبي ص221

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة