جهود أهل العلم في نشر كتب السنة النبوية(2)

جهود أهل العلم في نشر كتب السنة النبوية(2) 

 

ومن هنا كانت جهود العلماء المتنوعة في جميع القرون قرنا تلو الآخر في المحافظة على السنة ونشر كتبها، ورعايتها وصيانتها وتحقيق نصوصها.

ذلك ــ فضلاً عما تقدم ــ لأن من أهم الواجبات الملقاة على عاتق الأمة عامة، وعلى أهل العلم خاصة: العمل على نشر السنة النبوية الصحيحة بين الناس، وبيان صحيحها من سقيمها، وهو واجبٌ شرعي نتدين به لله (عز وجل) طامعين أن نؤجر عليه، لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (بلغوا عني ولو آية )، وقوله (صلى الله عليه وسلم):" نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ".

فالسنة ـ كما تقدم ـ  هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، ونشرها يعني نشر الشطر الثاني من هذا الدين.

أقول: وقد تعددت وتنوعت أدوات هذا النشر وآلياته، فمنها ما ظهر قديما، وظل فترة طويلة من الزمن هو الأساس في ذلك، ومنها ما أنعم الله (عزوجل) به علينا في هذا العصر الحديث، العصر الذي يشهد تطورًا تقنيًا كبيرًا، والذي من شأنه أن يسهّل عملية نشر السنة الصحيحة وإيصالها إلى الناس في جميع أنحاء العالم بزمن قياسي.

أعود فأقول: اشتدت عناية صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بما صدر عنه من أقوال، وأفعال فحفظوها في صدورهم، وحاولوا نشرها وبثها في جميع العالم، وقد تجسدت جهودهم في أمور عديدة، أبرزها ما كان معروفاً بينهم بالتناوب في سماع الحديث من النبي (صلى الله عليه وسلم) وتبليغه لمن غاب عن مجلسه (صلى الله عليه وسلم)، يدل عليه حديث عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ... الحديث ([1]).

ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل قيَّدها البعض منهم في صحف لهم، وبلَّغوها لمن جاء بعدهم من التابعين، بدقة بالغة، وعناية لا نظير لها. فقد أُثر عن بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم بعض الصحائف التي تضمنت حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) كالصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما)، وصحيفة جابر بن عبد الله (رضي الله عنه)، وغيرهما كثير.

ثم جاء عصر التابعين، فحذوا حذو الصحابة في حفظ الحديث وكتابته، فكان العالم منهم يتردد على صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين كانوا في بلده فيحفظ مروياتهم، ويعقل فتاويهم، ويعي تأويلهم للآيات الكريمة.

واستقر الأمر على ذلك إلى رأس المائة الأولى من الهجرة في ولاية الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)، فرأى جمع الحديث والسنن، وتدوينها تدوينا عاما خشية أن يضيع منها شيء بموت حافظيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري: باب التناوب في العلم،ج1/ص46/ح رقم 89.

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة