تعريف الحاكم

تعريف الحاكم

 

عرفه بعدما ذكر الفرق بينه وبين الحديث المعل بقوله: " حديث ينفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة"([1]) . 

 

وقد استشكل الحافظ ابن الصلاح([2]) -ومن تبعه – الحكم على هذا بالشذوذ ، لورود أحاديث صحيحة تفرد بها عدول حفاظ ضابطون كحديث " إنما الأعمال بالنيات"([3]) الذي تفرد به عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص ثم عنه محمد بن إبراهيم ثم عنه يحيى بن سعيد.

لكن بالنظر إلى مجموع ما ذكره الحاكم تحت هذا النوع"الشاد" والأمثلة التي ساقها، يتبين أنه لم يرد ما قد يفهم من عبارته ، من القول بشذوذ التفرد المطلق، كما لا يصح أن يقال بأن عبارته قد قصرت عن استيفاء ذلك، فيلقى اللوم على البيان لا على المقصود منه.

فإذا كان الأمر كذلك ، عُلم منه أن للتفرد عند الحاكم ، في هذا الموضع ، معنى خاصاً يتوافق مع قول الشافعي (الذي استشهد به).

إذ قال عن حديث: معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك " إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً ،وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار… الحديث من رواية قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ. ([4]) 

قال الحاكم: " هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن" وبين سبب هذا الشذوذ بقوله: " ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ، ولا عند أحد. ممن رواه عن معاذ بن جبل ، عن أبي الطفيل ، فقلنا: الحديث شاذ" ثم أسند إلى البخاري قوله: " قلت لقتيبة بن سعيد : مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني ، قال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ" ([5])

فقوله: " ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل" يدل على أنه إنما وصفه بالشذوذ لمخالفته سائر من روى عن أبي الطفيل.

ومثاله الثاني يزيد ذلك وضوحاً ، إذ قال عقب حديث جابر بن عبدالله: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع"

الذي رواه محمد بن كثير العبدي عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر. ([6]) 

قال الحاكم: "وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن، إذ لم نقف له على علة([7])،  وليس عند الثوري عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في  صلاة الظهر أو غيرها ولا نعلم أحدا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان وحده، تفرد به"([8]) 

فقبل تفرد ابن طهمان لعلمه وجلالته ولم يقبل تفرد محمد بن كثير لكونه أقل   من أن ينفرد عن الثوري من بين سائر تلاميذه، وفيهم من هو أعلم وأوثق وأكثر ملازمة للثوري منه.

من هنا يتضح أن معنى الشاذ عنده على نحو ماعرفه به الشافعي – رحمه الله تعالى- وهو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.

وقد دافع عنه بعض من اعترض عليه – هنا – عند ذكره لتعريف الصحيح حيث قال الحاكم : " وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة: وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة" ([9])

وقد فهم الحافظ الحازمي([10]) من ذلك أنه يشترط في الصحيح ألا ينفرد به أحد الرواة.

فتعقبه ابن حجر (وهو أحد المعترضين على تعريفه للشاذ) بقوله

"الظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد كل راو في الكتابين [ يعني الصحيحين ] من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا

 أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه"([11])   

 

([1])   معرفة علوم الحديث (ص119).    

([2])   مقدمة ابن الصلاح – بتحقيق عتر – (ص 69).    

([3])   أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي 1/3/ رقم 1) ومسلم في صحيحه (كتاب الإمارة3/115 برقم 1907 ) طبعة إحياء التراث بيروت.    

([4])   أخرجه الإمام أحمد في المسند(5/241) وأبو داود في السنن (كتاب صلاة السفر2/7 رقم 1220) وقال: "لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده" والترمذي في جامعه (الصلاة 2/438 برقم553).    

([5])  معرفة علوم الحديث (ص 120 – 121).

([6])   أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص121).    

([7])   هذا راجع إلى الفرق بين العلة والشذوذ عند الحاكم.   

([8])   معرفة علوم الحديث (ص121) ولم أتمكن من العثور على رواية ابن طهمان  هذه.

([9])   معرفة علوم الحديث (ص 62).

([10] ) هو أبو بكر محمد بن موسى بن حازم الهمداني توفي سنة (584)من مؤلفاته:"شروط الأئمة الخمسة" انظر البداية والنهاية (12/332)

([11] ) النكت على ابن الصلاح(1/240)

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة