حـكـم الحديث الـشــاذ

حـكـم الحديث الـشــاذ 

 

 

لم يكن حكم الشاذ مثار إشكال لولا أن بعض المحققين ذهب إلى جواز أن يكون الشاذ صحيحاً لأن الحكم على رواية بالشذوذ إنما هو ترجيح لرواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، فيكون هناك صحيح وأصح، فيعمل بالراجح دون المرجوح لأجل معارضته له، لا لكونه لم يصح طريقه. ([1])  ومثل لذلك بقصة جمل جابر، الذي روي في الصحيحين([2]) من طرق متعددة، وفيها اختلاف في مقدار الثمن وفي اشتراط ركوبه، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط، وأن الثمن أوقية من ذهب، مع تخريجه ما يخالفه – أيضا-

قال: "فإن قيل يلزم أن يسمى الحديث صحيحاً ولا يعمل به قلنا : لا مانع منه إذ ليس كل صحيح يعمل به ، بدليل المنسوخ"

ويمكن أن يجاب عن ذلك بالتالي:

أولاً: هذه المسألة لا تحتاج إلى الرأي المجرد السالم من المعارضة بقدر ما تحتاج إلى موافقة اصطلاح أكثر المحدثين، شأنها في ذلك شأن سائر العلوم التأصيلية.

فالنقاد كانوا يصفون الحديث بالشذوذ عند إرادة بيان ضعفه ( والنصوص المنقولة عنهم في أول هذا المبحث تؤيد ذلك) وفي الغالب يعبرون عنه بقولهم : هذا الحديث غير محفوظ، أو أخطأ راويه في روايته. ونحو ذلك.. ويبينون أن ذلك محمول على نسيان المخالف لروايته فيقولون : "العـدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد"

ثانياً : قد ذهب من زعم صحة الحديث الشاذ إلى اشتراط انتفاء الشذوذ عند تعريف الحديث الصحيح، فكيف يحكم عليه بالصحة ولم تنطبق عليه جميع شروطها.

ثالثاً : ليس من منهج المحدثين الترجيح بين حديثين صحيحين ترجيحاً يستلزم رد أحدهما والعمل بالآخر.

إنما يسعون ما استطاعوا إلى الجمع بينهما بأي وجه من وجوه الجمع، وأبرز مثال لذلك أحاديث الأحكام المتعارضة.

أما قصة جمل جابر ؛ التي أخرجها البخاري في صحيحه بسنده عن جابر –رضي الله عنه- أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه فسار سيرا ليس يسير مثله، ثم قال : "بعنيه بأوقية" فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ، ثم انصرف، فأرسل على أثري، قال: " ما كنت لآخذ جملك ، فخذ جملك ذلك فهو مالك" ([3])  

فأسند الحديث على الوجه الراجح عنده، ثم علق بعده مجموعة من الروايات الموافقة، وأخرى معارضة، وقال عقبها: " وقول الشعبي: " بأوقية أكثر والاشتراط أكثر وأصح عندي" ([4])

وقد أخرج منها رواية مغيرة عن الشعبي عن جابر "فبعته على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة"([5])  

ورواية عطاء عن جابر: " ولك ظهره إلى المدينة" وقوله: " أخذته بأربعة دنانير" ([6])  قال البخاري : " وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم"

ورواية وهب عن جابر: " اشتراه النبي صلى الله عليه وسلم بأوقية"([7]) 

ومما لم يعلقه في هذا الموضوع رواية أبي المتوكل عن جابر "أواق من ذهب"([8]) 

وهذه الروايات ليست مخالفة للرواية الراجحة، ماعدا قول عطاء : "ولك ظهره إلى المدينة".

وهذا محمول على الحذف للاختصار، فحذف الشرط وذكر قبول النبي صلى الله عليه وسلم له لأن قوله : ولك ظهره" لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك"([9])  ثم إنه استفاد منها ترجيح أن الثمن أوقية.

أما قول أبي المتوكل : " أواق من ذهب" فلم يتعرض البخاري لذكره على الرغم من استيفائه لجميع الطرق، وكذا لم يشر الشارح إلى مخالفتها في هذا الموطن ، ولعلهما رأيا أنها مطلقة فلا تنتظم تحت شيء من الروايات المذكورة، ثم إن البخاري لم يصرح بترجيح كون الثمن أوقية، بل غاية ما قال إن قول الشعبي: "بأوقية" أكثر ، ولو جزم بترجيحها لقرنها بالاشتراط جميعاً في جملة واحدة.

ومع ذلك فبيانه أن قول الشعبي هو الأكثر، ورده قول من قال أربعة دنانير إلى أوقية بالحساب، وعدم تخريجه لما خالفها ، يوحي بأنه يميل إلى الأخذ بهذه الروايات.

فظهر من هذا أن البخاري لم يخرج الرواية الشاذة إلى جانب المحفوظة، وهو يراها كذلك ، فبطل المثال الذي مثل به.

رابعاً: قياس الحديث الشاذ والمحفوظ على الناسخ والمنسوخ قياس مع الفارق، للأسباب التالية:

أ ) الحديث المنسوخ قد يكون أصح من الناسخ ومع ذلك يعمل بالثاني ولا يعمل بالأول.

ب) الناسخ والمنسوخ كل منهما حديث مستقل عن الآخر، ولم يعمد فيها إلى النسخ لتعارضهما، بل لورود النص على ذلك فلا مجال للرأي فيه.

جـ ) أن المنسوخ " العلة فيه من حيث حكم المتن، لا من حيث السند.. فيكون الرد لأجله لا ينافي الحكم على سنده بالصحة، بخلاف السند فإن كون الرد لأجله ينافي صحته، لأن فيه طعنا فيه"([10]) 

خامساً : يعبر الأئمة غالباً عن الحديث الشاذ بالخطأ، فيقولون "هذا خطأ" أو "غير محفوظ" أو "غلط" ولو كان صحيحاً عندهم ما وصفوه بما يدل على ضعفه، فتعيين غلط الراوي وخطئه في ذلك الحديث بالذات لايمكن أن يتطرق معه احتمال الصحة ، ولو لم يصفوا الحديث الشاذ إلا بالشذوذ والتفرد فحسب، لكان ذلك مظنة للرد لأنه جاء في معرض الإنكار لتلك الرواية ، فكيف وقد عبروا بالصيغ الصريحة للرد؟

قال أبو داود : ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاَ"([11]) 

أما إن كان الشذوذ في الإسناد فحسب، بحيث يروى الحديث عن شخص والمحفوظ عن آخر غيره، ومتن حديثهما واحد، فإن ذلك يؤثر في صحة الإسناد ولكنه لا يؤثر في صحة المتن، فيبقى ضعيفاً إن روي بذلك الإسناد الشاذ، صحيحاً إن روي بغيره ، وهكذا عامة ما ورد في الصحيحين مما انتقده عليهما بعض الأئمة ، وكان الانتقاد فيه متجها.

 

([1])   فتح المغيث (1/18) وعزاه لابن حجر دون بيان موضعه ، كما عزاه صاحب "البيان المكمل" (ص 17 – 18). مع المثال للنكت أثناء الكلام على التنبية الأول بعد تعريف الصحيح ، ومظنته في الجزء الأول : ص 237 ، فلعله ساقط من النسخ المطبوعة. 

([2])   أخرجه البخاري (كتاب الشروط 5/314 برقم 2718) وقال في آخره : وقول الشعبي "بأوقية" أكثر والاشتراط أكثر وأصح عندي" وأخرجه مسلم (كتاب المسافاة 6/33/ برقم 715).     

([3])   صحيح البخاري (كتاب الشروط 5/314 برقم 2718).     

([4])   حرف العطف لم يرد في سائر النسخ المطبوعة، وأضيف تبعا لتغليق التعليق( 3/404).

([5])   كتاب الجهاد ( 6/121 برقم 2967).

([6])   كتاب الوكالة ( 4 /485 برقم 2309).     

([7])   كتاب البيوع ( 4 / 220 برقم 2097).     

([8])   كتاب الجهاد ( 6/ 65 برقم 2861).     

([9])   فتح الباري (5/318) .     

([10])   البيان المكمل في تحقيق الشاذ والمعلل (ص 19).     

([11])   رسالة أبي داود لأهل مكة ( ص 29).     

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة