حكم الحافظ العلائي في زيادة الثقة

 

أكد الحافظ العلائي في مواضع متعددة من كتبه أن الحكم في "زيادة الثقة" ليس على إطلاقه، بل لكل حديث حكمه الخاص، ونقل ذلك عن جمع من المتقدمين، لكنه في "المزيد" أشار إلى رد الزيادة وصحة الإسناد بدونها ، فقال:"…فأما متى كان [يعني صيغة الأداء] بلفظ (حدثنا) ونحوه ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة رجل بينهما، فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد ويكون الحكم للأول"([1])   

فحكم على الرواية الناقصة، بالصحة لمجيئها بصيغة السماع، إذ لو صرح بالسماع عمن لم يسمع منه ، لكان كذابا مردود الحديث.

وقد يبدو أن العلائي قد خالف منهجه في ذلك، لكن عند التأمل في كلامهم ؛ يتضح أن " المزيد في متصل الأسانيد" مردود مطلقاً ، مثله في ذلك مثل الشاذ، فإذا كانت الزيادة صحيحة لم يسم مزيدا، لأن الراوي الذي قد يتوهم زيادته، أصلي في ذلك الإسناد وليس مزيدا، وحكم على الرواية الناقصة بكونها من المرسل الخفي، أو أن الحديث صح من الوجهين.

وقسموا ذلك إلى أربعة أقسام: ([2]) 

القسم الأول :

ما ترجح فيه الحكم بكونه مزيداً فيه، وأن الحديث متصل بدون ذلك الزائد.

وقد مثلوا له بما روي عن عبدالله بن المبارك حدثنا سفيان عن عبدالرحمن ابن يزيد بن جابر حدثني بسر بن عبيد الله سمعت أبا إدريس الخولاني يقول سمعت واثله بن الأسقع سمعت أبا مرثد الغنوي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"([3]) 

قال ابن الصلاح: " فذكر سفيان في هذا الإسناد زيادة وهم. أما الوهم في ذكر سفيان فممن دون ابن المبارك، لا من ابن المبارك، لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك عن ابن جابر نفسه ومنهم من صرح فيه بلفظ الإخبار بينهما"([4]) 

 

وكذا زيادة أبي إدريس الخولاني، إذ روى هذا الحديث عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر : الوليد بن مسلم. ([5]) وصدقة بن خالد ([6])، وعيسى بن يونس([7]) 

وغيرهم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيدالله عن واثلة ابن الأسقع عن أبي مرثد، دون ذكر أبي إدريس الخولاني.

لذا نسب العلماء فيها الوهم إلى ابن المبارك ، واعتبروه من النوع المردود من المزيد.

قال البخاري: " حديث ابن المبارك خطأ، أخطأ فيه ابن المبارك وزاد فيه عن أبي إدريس الخولاني، وإنما هو بسر بن عبيد الله عن واثلة بن الأسقع، هكذا روى غير واحد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، وليس فيه عن أبي إدريس الخولاني، وبسر بن عبيد الله قد سمع من واثلة بن الأسقع"([8]) 

وقال ابن خزيمة: " أدخل ابن المبارك بين بسر بن عبيدالله وبين واثلة أبا إدريس الخولاني في هذا الخبر"([9]) 

وتابعهما على ذلك الحاكم([10]) وغيره.

وقد فسروا غلط إمام عظيم مثل ابن المبارك في هذا الإسناد بتفسيرين متجهين:

 

أحدهما : ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه وهو أن بسراً كثيرا ما يحدث عن أبي إدريس فغلط ابن المبارك وظن أن هذا مما روي عن أبي إدريس عن واثلة، وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه، لأن أهل الشام أعرف بحديثهم"([11]) 

والثاني : ذكره المزي عن الدارقطني : وهو أن ابن المبارك قد أدخل حديثاً في حديث، لأن وهيب بن خالد رواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر ابن عبيد الله عن أبي إدريس عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم"([12]) 

وكذا قصة الحَولاء بنت تُوَيت التي قالت عنها عائشة رضي الله عنها: " إنها لا تنام الليل" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تنام الليل ؟ خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا"

هذه القصة رواها يونس([13]) وشعيب([14]) عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة.

ورواها الزبيدي عن الزهري عن حبيب مولى عروة عن عروة عن عائشة([15])، فزيادة  حبيب مولى عروة ، وهم وغلط من الزبيدي أو من دونه.

 

القسم الثاني:

ما ترجح فيه الحكم عليه بالإرسال إذا روي بدون الراوي المزيد.

فالراوي متى قال عن فلان، ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة، فالظاهر أنه لوكان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة [ إرسالا خفياً] إذا لم يعرف الراوي بالتدليس ، وإلا فمدلسة، وحكم المدلس حكم المرسل.

وتتأكد  صحة الزيادة إذا كان الراوي مكثراً عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة، كهشام بن عروة عن أبيه ، ومجاهد عن ابن عباس.. فلو أن هذا الحديث عنده عنه؛ لكان يساير ما روى عنه، فلما رواه بواسطة بينه وبين شيخه المكثر عنه، علم أن هذا الحديث لم يسمعه منه([16]).

وإن لم يكن مكثرا عنه، عرف ذلك بمخالفة راوي الطريق المرسلة لمن هو أحفظ منه أو أكثر أو نحو ذلك.

ومثاله ما رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبدالله بن عمرو – رضى الله عنهما –قال :  قال لي النبي صلى الله عليه وسلم "لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل"

هذا الحديث رواه ابن المبارك ومبشر بن إسماعيل والوليد بن مسلم عن الأوزاعي بهذا الإسناد.

ورواه عمرو بن أبي سلمة وبشر بن بكر وابن أبي العشرين وعمر بن عبد الواحد جميعهم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي سلمة عن عبدالله بن عمرو([17]).

بزيادة عمر بن الحكم بين يحيى وأبي سلمة.

وقد ذهب الدارقطني والعلائي إلى إعلال الرواية الناقصة بالمزيدة، وظاهر قوليهما أن ذلك بسبب كون الكثرة إلى جانب الرواية المزيدة،ولا سيما إن كان الوليد بن مسلم قد روى المزيدة –([18]) كما ذكرا - 

لكن الإمام البخاري قد رأى عكس ذلك بدليل إسناده للرواية الناقصة، وتعليقه للمزيدة.

وثمة حديث آخر أخرجه البخاري، وقال – كما نقل عنه الترمذي- بتصحيح الرواية الزائدة:

وهو ما رواه منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي صل الله عليه وسلم : " يعذبان وما يعذبان في كبير" ثم قال : " بلى؛ كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة … الحديث"([19]) 

وخالف منصوراً في سنده : الأعمش فرواه عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس.

فزاد طاوسا بين مجاهد وابن عباس. ([20]) 

وسأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فقال : " أيهماأصح ؟قال: حديث الأعمش "([21]) 

وقال الترمذي في جامعه: " ورواية الأعمش أصح ، وسمعت أبا بكر محمد بن أبان ( مستملي وكيع) يقول: سمعت وكيعاً يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم([22]) من منصور([23])"، وهذا ظاهر صنيع مسلم في صحيحه حيث أخرج الرواية المزيدة فقط ، وإليه ذهب الحافظ العلائي. ([24])

أما ابن حبان فقد قال عقب تخريجه لهذا الحديث من رواية: الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ( دون زيادة) : " سمع هذا الخبر مجاهد عن ابن عباس، وسمعه عن طاوس عن ابن عباس، فالطريقان جميعاً محفوظان" ([25])

لكن هذه الرواية عن الأعمش انفرد بها شعبة وحده في سائر الطرق عنه، بينما روى الحديث عن الأعمش جرير بن عبدالحميد وأبو معاوية الضرير(كما عند البخاري) ووكيع بن الجراح ( عند البخاري ومسلم) وعبد الواحد بن زياد(عند مسلم) بزيادة طاوس فهذا هو المحفوظ عن الأعمش.

وقد نقل الخلال عند الإمام أحمد أنه لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري([26])  

ثم إن الرواية عن منصور إنما جاءت من طريقين:

الأولى عن جرير بن عبدالحميد عنه ،وهو من الرواة عن الأعمش فاختلف عليه في هذا الإسناد، والراوي عنه عثمان بن أبي شيبه قد رواه عنه عن الأعمش (كما عند ابن حبان ) ورواه عنه منصور (كما عند البخاري).

وهذا يقوي من احتمال كون الصحيح عن جرير إنما هو عن الأعمش وليس عن منصور.

الثانية: عن عبيدة بن عبد الحميد ( كما عند البخاري) وقد تفرد بالرواية عنه محمد بن سلام.

وإذا ما صح إدراج جرير ضمن الرواة عن الأعمش، فإن عبيدة يكون هو الراوي الوحيد عن منصور، فاحتمال وقوع الخطأ منه أكبر.

والشاهد من هذه الأمثلة هو أن النقاد قد يحكمون في بعض الزيادات بأنها من "المزيد في متصل الأسانيد" والرواية متصلة دون ذكر ذلك المزيد، وقد يحكمون بصحة الزيادة، وأن الرواية الناقصة من قبيل المرسل الخفي، وهناك احتمالان آخران يأتيان في القسم الثالث والرابع

 

القسم الثالث:

" ما يظهر فيه كونه بالوجهين ، أي أنه سمعه من شيخه الأدنى، وشيخ شيخه- أيضاً – وكيف ما رواه كان متصلاً"

وهذا يدرك بطرق منها:

تصريح الراوي بأنه سمعه على الوجهين

ومثاله: حديث بسرة في الوضوء من مس الفرج

حيث روي من عدة طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة. ([27]) 

وروي عن هشام عن أبيه عن مروان بن الحكم عن بسرة ([28])

فأعل بعضهم الرواية الأولى بالإرسال. ([29])

والصحيح أن عروة بن الزبير قد صرح بأنه سمعه على الوجهين حيث قال عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من مس ذكره فليتوضأ" قال عروة: فسألت بسرة فصدقته، وفي رواية: فأنكر عروة، فسأل بسرة فصدقته"([30]) 

قال ابن حبان " وأما خبر بسرة الذي ذكرناه ، فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة، فلم يقنعه ذلك حتى بعث مروان شرطيا له إلى بسرة فسألها ثم أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بسرة، فسمعه عروة ثانياً عن الشرطي عن بسرة، ثم لم يقنعه ذلك، حتى ذهب إلى بسرة فسمع منها، فالخبر عن عروة عن بسرة متصل ليس بمنقطع وصار مروان والشرطي كأنهما عاريتان يسقطان من الإسناد." ([31]) 

 

 

([1])   جامع التحصيل (ص 146).    

([2])   هذا التقسيم مستفاد من الحافظ العلائي في جامع التحصيل (ص 127) – بتصرف -     

([3])   خرج هذه الرواية دون ذكر سفيان فيها: الإمام مسلم في صحيحه ( في الجنائز 7/43برقم972) والترمذي في سننه(كتاب الجنائز 3/367 برقم 1050 ) والإمام أحمد في مسنده بصيغة السماع بين بسر و أبي إدريس (4/135).     

([4])   مقدمة ابن الصلاح ( ص 275) ولم أجد رواية ابن المبارك عن سفيان فيما بين يدي من كتب الأصول.     

([5])   أخرج روايته الإمام مسلم ( في الجنائز 7/42 برقم 972) والنسائي في سننه (2/67 برقم 760 كلاهما بصيغة العنعنة، وأخرجه الإمام أحمد بصيغة السماع (4 / 135).     

([6])   أخرج روايته الطبراني في المعجم الكبير (19/ 192 برقم 433) وفي مسند الشامين(1/329).    

([7])   أخرج روايته أبو داود في سننه ( في الجنائز 3/210 برقم 3229).     

([8])   جامع الترمذي (3/368).     

([9])   صحيح ابن خزيمة (2/7).     

([10])   مستدرك الحاكم ( 3/244).     

([11])   علل ابن أبي حاتم (1/349).      

([12]) تحفة الأشراف ( 8/329).      

([13])   أخرج روايته الإمام مسلم في صحيحه ( في   رقم 785 ) وفيه قال الزهري: أخبرني عروة، وأخرجها الإمام أحمد في مسنده(6/247).      

([14])   أخرج روايته ابن حبان في صحيحه(2/74 برقم 359).      

([15])   ذكر ذلك السخاوي في فتح المغيث (4/73) ولم أجده في الأصول.      

([16])   جامع التحصيل (ص 132) –باختصار -      

([17])   أخرج رواية ابن المبارك: البخاري في صحيحه ( التهجد 3/37 برقم 1152) والنسائي في السنن (قيام الليل 3/253 برقم 1767) وأخرج رواية مبشر : البخاري – أيضاً في الموضع السابق – وأخرج روايه الوليد: ابن ماجه (2/125 برقم 1331)، وأخرج رواية ابن أبي العشرين: البخاري في الموضع السابق – وأخرج رواية عمر بن عبدالواحد: ابن حبان في صحيحه (6/67 برقم 2641) وأخرج رواية عمرو بن أبي سلمة : الإمام مسلم في صحيحه ( الصيام (8/291 برقم 2725) وقد ذكر الدارقطني في التتبع (ص153) والعلائي في جامع التحصيل (ص: 130) : الوليد بن مسلم ضمن رواة الزيادة، فإما أن يكون ثبت لهما ذلك من طريق أخرى، وإما أنه وهم تابع فيه الآخر الأول.

([18])   انظر الحاشية السابقة.     

([19])   أخرجه البخاري في صحيحه ( الوضوء 1/317 برقم 216) وفي ( الأدب 10: 472 برقم 6055) وأبو داود في الطهارة(1/6 برقم 21).      

([20])   أخرج هذه الرواية البخاري في مواضع من صحيحه منها ( الوضوء 1/ 322  برقم 218) وفي الأدب : 10 / 469 برقم 6052) ومسلم في صحيحه في الطهارة( 3/204 برقم 292).      

([21])    العلل الكبير للترمذي(1/140).     

([22])   لم يتبين وجه علاقة إبراهيم بهذا الحديث،ولعله أراد تفضيل الأعمش مطلقاً فاستشهد بهذه المقولة، وللعلماء في التفضيل بين الأعمش ومنصور في إبراهيم وعلى وجه الإطلاق خلاف كبير، انظر المعرفة والتاريخ (3/13) وشرح علل الترمذي. (ص293 – 295) .

([23])   جامع الترمذي ( 1/ 103 – 104 )     

([24])   جامع التحصيل ( ص 130).    

([25])   صحيح ابن حبان (7/399) وهذه الرواية أخرجها أيضاً أبو داود الطيالسي (ص 344) .     

([26])   شرح علل الترمذي ( ص 241).

([27])   منها ما أخرجه الترمذي في جامعه ( الطهارة 1/126 برقم 82) – والنسائي في سننه (الطهارة 1/216  برقم 447) وابن ماجه (الطهارة 1/161 برقم 479).      

([28])   أخرجه أبو داود في السنن ( الطهارة 1/46 برقم 181) والنسائي في السنن ( الطهارة 1/100 برقم 163).     

([29])   ذكر ذلك العلائي في جامع التحصيل(134 – 135 ) ولم أجد من أعل الرواية عن بسرة، إلا قول النسائي(1/216): "هشام ابن عروة لم يسمع من أبيه هذا الحديث ،والله أعلم"      

([30])   أخرجه ابن حبان في صحيحه ( 3/396 – 400) والحاكم في المستدرك (الطهارة 1/229 – 232)       

([31])  الموضع السابق: والحديث الذي أشار إليه أخرج النسائي بعضه ( إلى عودة الحرسي من بسرة)  في السنن ( الطهارة 1/100برقم164).    

قيم هذا الموضوع
(0 اصوات)
سجل الدخول لتتمكن من التعليق على هذا الموضوع

المشرف العام على الموقع

موقع بوابة المدينه الدعوى تحت اشراف

الاستاذ الدكتور / محمد محمود هاشم

                     نائب رئيس جامعه الازهر للوجه البحرى وعضو مجمع البحوث الاسلاميه

اعلى الصفحة